اتبعني (2) - دع الموتى يدفنون موتاهم


اتبعني

دعوات واستجابات على طريق تبعيّة الربّ يسوع

الدعوة الثانية

دع الموتى يدفنون موتاهم

 

نقرأ في سفر الأمثال: "لأَنَّهُ بَاطِلاً تُنْصَبُ الشَّبَكَةُ فِي عَيْنَيْ كُلِّ ذِي جَنَاحٍ." (أم1: 17). من يستطيع أن "يرى" سيكتشف المرض الروحي، والأعداء، والمعوقات على الطريق. الشبكة تلتقط فقط العميان، أو المتغافلين، أو السكارى، أمّا من تيقّظوا بالروح فهم يرون الشباك المنتصبة المهيّئة لاصطياد فرائسها، وبالتالي يعرفون كيف يتلاشونها.

من وُلِدَ من جديد، بالروح، خُلِقَت له بصيرة جديدة، تستطيع أن ترى وتميّز الأمور ... كلّ القشور تبدأ تتساقط من عينيه كما شاول الطرسوسي ...

لذا، من الهام أن نعرف الشباك التي تُنْصَب لنا على طريق دعوتنا، لنأمن في مسيرتنا، من دون انتشاب الأرجل، أو سقوطنا أسرى في حفرة العدو.

كان القديس أنطونيوس الكبير مهمومًا بقضيّة ضرورة التمييز، كتب عنها وعلّم بها وحذر من غيابها، لذا نجده يوضّح لنا ثلاثة أمور هامّة مترابطة على الإنسان أن يتأمّل فيها على الدوام من أجل نمو ملكة التمييز والبصيرة لئلا يسقط في الشباك، فيكتب في رسالته السابعة، ويقول:

لأنّ أوّل ما يحتاجه الإنسان العاقل هو: (1) أن يعرف نفسه (2) ثم بعد ذلك يحتاج لأن يعرف كل أمور الله، وكلّ الهبات السخيّة التي تهبها نعمة الله دائمًا وأبدًا للإنسان (3) ثم بعد ذلك يحتاج أن يعرف أنّ كلّ خطيئة وكلّ إثم إنما هي غريبة عن طبيعة جوهره العقلي [كيانه العاقل]

ثلاثة أمور هامّة للإنسان الذي يريد أن يتبع يسوع؛ معرفة الذات، معرفة نعمة الله، معرفة أنّ الخطيئة هي حالة غريبة عن تكوين الإنسان الأصلي. تلك المعرفة الثلاثيّة تتزايد وتتكثّف على الطريق، وبقدر ما تتعمّق تلك المعرفة وتتسع أبعاد الإدراك لهذه الحقائق الثلاثة، بقدر ما يمكن للإنسان أن يكون "تلميذًا" على درب الربّ ...

أن يعرف الإنسان ذاته، تعني أن يعرف أنّه معتمد على نعمة الله في وجوده وحياته وكلّ أعماله، وأنّ الخطيئة غريبة عنه، يحطمه، يفتته، تقسمه من الداخل، تشتته، تجيعه، وتميته.

الله يعمل في حياتنا بطريقة خاصّة جدًّا، ويمكن تشبيه عمله بتحفيز جهاز المناعة الروحي وتنشيطه. جهاز المناعة في أجسادنا دوره أن يرفض ويحارب ويحاصر كلّ كيان غريب يدخل للجسد. ولكن لكي ما يقوم بهذا الأمر يجب أن تكون لجهاز المناعة القدرة الذاتيّة لإفراز وتمييز الجسد عمّا هو غريب عنه. جهاز المناعة على وعي كامل بكلّ خلية من خلايا الجسد، وإلاّ لو اختل هذا الوعي سيحارب جهاز المناعة الجسد نفسه، ويموت الإنسان نتيجة الحرب الداخليّة، أي سيقتل الإنسان نفسه بنفسه.

على نفس القياس، جهاز المناعة الروحي على وعي بأصلنا، وكياننا، وصورتنا الإلهيّة، وجوهر خلقتنا، وطبيعتنا، ومن ثمّ يقدر أن يحارب ويحاصر كلّ فكر أو فعل غريب عن هذه الطبيعة الأصليّة. يجب أن يكون جهاز المناعة الروحي يقظ لهويّة الإنسان، وإلاّ سيعتقد أنّ الخطيئة جزء طبيعي من كيان الإنسان وستدخل كلّ خلاياه رويدًا رويدًا حتى يموت الإنسان من داخله. اختلال جهاز المناعة الروحي، يسقط كلّ الدفاعات الداخليّة التي زرعها الله فينا يوم خلقنا، في جوهرنا العاقل، على صورته ومثاله. سنتوهّم أنّنا أحياء، ولكن الموت يعمل فينا من الداخل!!! هذا ما حذّر منه القديس أنطونيوس حينما أشار إلى أهميّة إدراك أنّ الخطيئة غريبة عن جوهرنا العقلي ...

يبدأ كلّ انحدار روحي، وفتور مميت، من التآلف مع الخطيئة والشر كجزء منّا، كأمر "عادي"، فقط لأنّه منتشر حولنا!؛ "فالشر قد دخل فينا، وبه متنا جميعًا، حيث إنّه غريب عن طبيعة جوهرنا العقلي" ق. أنطونيوس / الرسالة السابعة  ...

كلّ ما هو غريب عنّا يقتلنا ... وإن اختلفت قوّة وأثر ووضوح الموت الذي يتركه فينا ...

إنّ انتشار المرض والموت الروحي، ليس دليلاً على أنّ المرض جزء من تكويننا الأصيل، ولكنّه دليل قوي على ضعف أجهزة المناعة الروحيّة فينا، واحتياجنا إلى تدبير خارجي (عمل المسيح) لتنشيط مناعتنا الهامدة، لنتيقَّظ لدعوتنا ...

وَقَالَ لَهُ آخَرُ مِنْ تَلاَمِيذِهِ: «يَا سَيِّدُ، ائْذَنْ لِي أَنْ أَمْضِيَ أَوَّلاً وَأَدْفِنَ أَبِي». فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: «اتْبَعْنِي، وَدَعِ الْمَوْتَى يَدْفِنُونَ مَوْتَاهُمْ». (مت8: 21-22) // وَقَالَ لآخَرَ: «اتْبَعْنِي» . فَقَالَ: «يَا سَيِّدُ، ائْذَنْ لِي أَنْ أَمْضِيَ أَوَّلاً وَأَدْفِنَ أَبِي». فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: «دَعِ الْمَوْتَى يَدْفِنُونَ مَوْتَاهُمْ، وَأَمَّا أَنْتَ فَاذْهَبْ وَنَادِ بِمَلَكُوتِ اللهِ» . (لو9: 59-60)

في الدعوة الثانية، يوضّح لنا القديس لوقا أنّ الربّ يسوع دعا شخصٌ آخر قائلاً "اتبعني". كان ردُّه بالاستعفاء، وكان ردّ يسوع عليه بأنّ عليه أن يحسم أولوياته.

هنا الربّ يسوع هو المُبَادِر كما أورد القديس لوقا على عكس الدعوة السابقة التي بادر فيها "الكاتب" برغبة التبعيّة.

لقد كان قلب الكاتب الذي طلب تبعيّة يسوع غير مهيّأ للدعوة، قلبه أشبه بالطريق في مثل البذار (مت13: 3) الذي إن سقطت عليه البذار جاءت الطيور وأكلته دون أي أثر لأي نمو ... وهي في ذلك نموذج للإنسان غير الجاد والذي يبحث عن دعوة لحساب ذاته فقط، لا يوجد تربة على الإطلاق لأي مساحة نمو، لأنّ القلب مشبّع بالذات وبتصوراتها ورغباتها ... ومع ذلك تُلْقَى البذار على أرضه، مع أنّ النتيجة حتميّة لأنّ الله أمين في عطائه للجميع ...

ولكن مبادرة يسوع هنا في الدعوة الثانية تشير إلى أنّه بالرغم من وجود الشوك (اهتمامات العالم) إلاّ أنّ الأرض يمكن أن تستقبل البذار ... هناك تربة، ولكن هناك عوائق للنمو ... هناك أشواك في الأرض، إن أدركها الإنسان وبدأ في تنقيّة حقل قلبه، أمكنّه أن يختبر نمو بذار الكلمة في حياته ...


نتعلَّم طوال حياتنا أهميّة الواجبات الاجتماعيّة، والأصول، والاهتمام بالعائلة، وما يليق وما لا يليق في أعين من حولنا. كما نختبر طوال حياتنا كم أنّ قُرْبَى الدم تربطنا بأقربائنا بشكلٍ استثنائي أكثر من الآخرين، يؤلمنا ألمهم، ويبهجنا فرحهم بشكل خاص. بل ويكشف لنا القديس بولس خطورة إهمال أهل البيت فيقول؛  "وَإِنْ كَانَ أَحَدٌ لاَ يَعْتَنِي بِخَاصَّتِهِ، وَلاَ سِيَّمَا أَهْلُ بَيْتِهِ، فَقَدْ أَنْكَرَ الإِيمَانَ، وَهُوَ شَرٌّ مِنْ غَيْرِ الْمُؤْمِنِ." (1تي5: 8).

ولكن، في المقابل، نجد الرّب يسوع هنا يرفض عذر شخص، يريد أن يدفن أبيه!!

بل نجد أنّ كلمات الربّ يسوع عن الموتى الذين يدفنون موتاهم هي كلمات غير معتادة ولا متوقّعة ولا مفهومة ولا مرغوبة لمن اعتاد أن يتعرّف على الربّ يسوع كشخصٍ لطيفٍ هادئٍ لا يريد أن يكدر صفو حياتنا، ولا يدعونا إلاّ إلى ما نحبّه ونتفّهمه، ولن تكون كلماته إلاّ بلسمًا معزيًّا للمتألِّمين بالتعزية التي يرغبون فيها ...

ولكن دعنا نتذكّر ما نسيناه أو تناسيناه من رسالته الحيّة!

لقد قال: "مَنْ أَحَبَّ أَبًا أَوْ أُمًّا أَكْثَرَ مِنِّي فَلاَ يَسْتَحِقُّنِي، وَمَنْ أَحَبَّ ابْنًا أَوِ ابْنَةً أَكْثَرَ مِنِّي فَلاَ يَسْتَحِقُّنِي، وَمَنْ لاَ يَأْخُذُ صَلِيبَهُ وَيَتْبَعُني فَلاَ يَسْتَحِقُّنِي. مَنْ وَجَدَ حَيَاتَهُ يُضِيعُهَا، وَمَنْ أَضَاعَ حَيَاتَهُ مِنْ أَجْلِي يَجِدُهَا." (مت10: 37-39)

كلمات مقلقة، أليس كذلك؟!

ردود أفعالنا على مثل تلك الكلمات هي إمّا التجاهل أو غض النظر أو تسويف التفكير في هذه الكلمات أو محاولة البحث عن تفسير مريح لإنساننا العتيق ودوائر أماننا المعتادة وبالأخص من بين الوعاظ والمفسرين، أو المراهنة أنّه لا يقصد ما يقول بالضبط، الأمر لا يتعدّى كونه مجاز لتوضيح أهميّة محبته!! أو، في المقابل، الخضوع لهذا الحق، وطلب محبّة الله بإصرار ومثابرة وصلاة، تلك المحبّة التي تتجاوز كلّ شيء وكلّ أحد لتملك على كلّ القلب لنكون أمناء لدعوته وحياته ...

اختيار ردّ الفعل يُحَدِّد بوضوح أين نحن من الطريق وما سنصل إليه ...


نتعلّم كلّ يوم على عتبة الإنجيل أنّ يسوع هو ذلك اللّطف الأقصى ..

ولكن،

نتعلَّم أيضًا أنّه الحقّ المطلق ...

لن يقايض حقّه باللّطف ليكسب ودّنا أو يجعلنا نرضى عنه أو نحب رسالة نعتقد أنّها منه ولكنّها منقوصة ...

رسالته حيّة لأنّها "حقيقيّة" لا لأنّها لطيفة وهادئة ومطمئنة ومعزيّة لإنسان العالم ...

هي كذلك لإنسان الله المنقاد بروح الله لأنّ اللّطف والتعزية والأمان والطمأنينة لهم قياس آخر لمن كان رأسه هو يسوع ...

علينا أن نستوعب أنّ يسوع مقلق لكلّ ما هو عتيق فينا ... وإن لم يقلقه، فمن يخاطبنا ليس يسوع!

هو يتكلّم كمطرقة صخر تهوي على كلّ معابد البعل التي شيّدتها ثقافة العالم من حولنا والمتحالفة مع رغباتنا...

هو لن يُجمّل المرض ...

هو لن يُزّيف الطريق ...

هو لن يُخفّف الدعوة ...

لأنّ المجد هائل ... والبنوّة أصيلة ... والمُلك أبدي ...


لقد طلب الرّجل من يسوع إذن بأن يعود ليدفن أبيه، ولكن إن لاحظنا سنجد أنّه لم يكمل كلامه موضحًا أنّه سيعود مجددًا ... يبدو أنّ لسان حاله مقابل دعوة يسوع هو: حسنًا دعنى أعود لدفن أبي لأنّ تلك هي الأولويّة لدي الآن، وبعد انتهاء الأمر، سأدرس عرض التبعيّة وأفكّر فيه ...

لم نقرأ هذا الكلام، ولكننا تعوّدنا أنّ الحماسة الإيجابيّة تظهر في الكلام، بينما اللامبالاة السلبيّة تميّع الكلمات حتى يمكن للإنسان أن يسوف الأمور الحاليّة، ويتخلّص من نير الدعوات التي لا يرغبها ...

إن كان متحمِّسًا لدعوة يسوع، لكان أعلن ذلك بوضوح. الحماسة لا تُخفى. حينما تمس كلمات يسوع القلب، تشعله، وتجذبه، وتضرم فيه نار الملكوت غير المرئيّة، لا يستطيع إلاّ أن يتكلّم المرء برائحة الشغف.

الكلام الباهت والفاتر والكسول علامة على القلب الذي لم يلمس النار، ولم يُعَمَّد في النور، ولم يكتشف سرّ أعين الربّ التي تدعو إلى الحياة ...

ما يريده يسوع فينا ومنّا أولاً وقبل أي شيء آخر هو أن نختاره كأولويّة أولى بشغف شديد ..

هو لا يستطيع أن يتلمذ القلوب الباردة والفاترة ...

من يريدوا أن يضموا يسوع إلى قائمة أولويات أخرى لن يجدوه!!

نعم ..

هو ليس رقم في قائمة ...

هو "قائمة الحياة" كلّها، والذي يعيد كتابة أولويات الحياة كلّها بأصبعه على قلوبنا ...


دفن الأب ليس خطأً ولا خطيئة بل أمرٌ جيّد وواجب سامي ينم عن أخلاق رفيعة تقدر الالتزام الأسري ...

ولكن، التحجّج بدفن الأب للفرار من مواجهة الدعوة أمرٌ آخر ...

لا نحتاج أن نتحجّج للربّ ...

لنكن صرحاء ...

"لأَنَّ الْمُلْتَوِيَ رَجْسٌ عِنْدَ الرَّبِّ، أَمَّا سِرُّهُ فَعِنْدَ الْمُسْتَقِيمِينَ." (أم3: 32)

إن لم نرد دعوته، فلنقل له، لا نريد ... لا نرغب ... لا نقدر ... لسنا مهيّئين ... ليس الآن ... إلخ

ولكننا في كلّ الأحوال لن نتمكّن من خداعه؛ "الله لا يشمخ عليه" (غلا6: 7)

الصراحة مع الله تجعلنا أقرب للشفاء .. هو يُقَدِّر صراحتنا، ولكنّه لن يقبل أعذارنا الواهيّة!

ولكن يبدو أن من اعتاد المراوغة مع من حوله، يعتقد أنّ المراوغة يمكنها أن تحقق مرادها في الإلهيات ...

ولكن، الله لا ينظر لكلماتنا، بل لقلوبنا، وفقط للكلمات الخارجة من قلوبنا ...

فمن يستطيع أن يحجب قلبه عن عينا ذاك الذي يخترق ببصيرته الظلام  وعيناه تمتحن بني آدم (مز11: 4) ...

الكلّ مكشوف وعريان أمام ذاك الذي معه أمرنا (عب4: 13) ...

كانت الحجّة والمراوغة والتفلّت من المواجهة الصادقة والصريحة مع الله هي أول عرض من أعراض السقوط العظيم بعد خطيئة آدم، حينما حاول الانفلات من المواجهة بإلقاء اللوم على المرأة ...

يجب أن يحمل آخر عبء المواجهة بدلاً مني، هذا هو لسان حال القلب الساقط المقيّد بالخوف!

سأشتري بعض الوقت من خلال حدث موت أبي متفلّتًا من دعوة يسوع التي لا نعرف أين ستنتهي وسط تلك المقاومة الهائلة من الكتبة والقادة ورجال الهيكل، يبدو أنّ هذا هو لسان حال المدعو إلى تبعيّة يسوع ...

هل كان ينتظر ملامح انتصار دعوة يسوع وبعدها ينضم إليها؟!

هل نرغب نحن في الانضمام للخدمات الناجحة الشهيرة والظاهرة والباهرة والمشار إليها بالبنان، والتي لا تواجه تحديات حقيقيّة، بل هي مُقَدَّرة ظاهريًّا من الجميع، لنتبع يسوع المكرَّم فننال تكريمًا من الناس؟!

هل نتجاهل الدعوة إلى خدمة يسوع المتألِّم على درب الجلجثة الذي يعاني من الهزء والسخرية والعار والشماتة والألم والوحدة لأنّنا بذلك سنلاقي ما يلاقيه؟!

عانى بولس من مثل هذا الأمر في خدمته فكتب: "فِي احْتِجَاجِي الأَوَّلِ لَمْ يَحْضُرْ أَحَدٌ مَعِي، بَلِ الْجَمِيعُ تَرَكُونِي. لاَ يُحْسَبْ عَلَيْهِمْ." (2تي4: 16)!!

كثيرًا ما قابلت من كانت حماستهم هائلة لخدمة ناشئة متصاعدة مُبَجَّلة من الجميع، وما أن بدأت الزوابع والعواصف والمقاومة تضرب السفينة تراجعوا، وتحجّجوا بأنّهم يؤثرون السلام!! وأنّهم سيبحثون عن قارب آخر ليس عرضة للعواصف والزوابع؟!

هم لا يعلمون أنّ الإبحار برفقة يسوع هو إبحار المواجهة مع كلّ شيء ومع كلّ أحد بما في ذلك الذات!

كلّ العتيق، وكلّ عتيق في الحياة الإنسانيّة يريد أن يعطّل سفينة الإبحار ...

سنجد كلّ الأعذار وسنسوق كلّ المبررات، ومنها المبررات المنطقيّة والأخلاقيّة والاجتماعيّة والشبه-روحيّة أيضًا لنفلت من مواجهة الدعوة، ولكن هذا قد ينجح في إقناع البشر، وقد تقنع ذات الإنسان نفسه، ولكن الله يعلم أنّ الخوف من التبعيّة الحقيقيّة هو المصنع الذي يتم فيه انتاج المبررات بكميات هائلة ليفلت من كلمة "اتبعني" ...

سنبرّر مواقفنا، بأنّ تبعيّة يسوع ليست رهنًا على المركب الذي يقف أمام الزوبعة!! يمكننا أن نتبعه بأي شكل آخر وعلى أي قارب آخر!

ولكن، حينما يدعونا الروح لقارب، فهناك لنا شفاء، ولنا دعوة ... هناك بالذات ...

ستقول ولكني لست متيقنًا من أنّ الروح يدعوني إلى هذا القارب!

ولكن دعني أسألك: ولماذا الآن تشكّكت في القارب؟

الإجابة التي لا تريد أن تواجهها هي أنّ القارب الآن في مواجهة العواصف في عرض البحار ... فقط ...

لقد كنت تشعر بدعوة الروح حينما كنت برفقة يسوع هو يصنع الآيات المبهرة والكلّ يلتف حوله (الخدمة الناشئة المبهرة)، أمّا وأن بدأ مخاض جسثيماني، بدأت تتشكّك، وتقبل هذا الشك وتُبَرِّره، وتكسوه بثوب الروح أيضًا، وتقول لست أعرف هذا الرّجل، وهي تساوي: لست أعرف هذا الروح الذي دعاني ... لست واثقًا من الأمر!!!

هناك من يعطله الخوف من أنّ يسير على طريق دعوته،

وهناك من يعطّله الطموح وتصورات الدعوات البرّاقة من أن يسير على طريق دعوته ...

ولكن على الأقل لنكن صادقين مع أنفسنا؛ لنقل لأنفسان أننا نخاف ولا نريد دعوة بها مخاطرة وتحديات ..

مجرّد ما نكون صادقين أمام الله، سيبدأ في إعدادنا، بسفينة متّجهة إلى ترشيش، وعاصفة على هذا المركب، وحوت يبتلعنا، حتى نكون مستعدين أن نعود إلى قارب دعوتنا مجدَّدًا، إن كنّا أمناء له ...

هو لن يخفف من دعوتنا، ولكنّه سيهيّئنا للدعوة في وقت أطولٍ وبطرقٍ مختلفة كثيرة ...

فالخوف من الدعوة، فقط سيعطّلنا؛ يعطّل دعوتنا، ويعطِّل نمونا ...


إجابة يسوع للرجل كانت: دع الموتى يدفنون موتاهم، وأمّا أنت فاذهب وناد بملكوت الله ...

كما أوضحت يبدو أن تلك الكلمات قاسيّة حينما يشبّه أقارب الرجل بالموتى!

ولكنّي أعتقد أنّ الربّ يسوع هنا انتقل من الإجابة الشخصيّة إلى الحكمة العامّة ... هو هنا لا يرد على الرجل فحسب، ولكنّه انتقل للردّ على الإنسانيّة جميعها المنشغلة بدفن الموتى ...

هنا الربّ يسوع يضع مقابلة ما بين دار الموتى، وما بين ملكوت الله ... ما بين دفن الموتى، والنداء بالحياة ... ما بين الانشغال بالموت، والانشغال بالحياة الأبديّة ...

من جديد، ليست القضيّة على الإطلاق في دفن الأب، ولكن في الانشغال بدفن الأب كذريعة للتفلُّت من الدعوة الآن ... القضيّة هي الانشغال الدائم بدفن الموتى ...

كما أعلن المسيح أنّ الانشغال والاتكال على المال هو الأزمة التي يعاني منها البشر، وليس المال كأداة ...

من ينشغل بنداء ملكوت الله، سيتمكن من أن يدفن أباه على الرجاء، ولكن من ينشغل بدفن أبيه لن يقدر على النداء بملكوت الله ...

أين مركز تصرفاتنا في الحياة؟ ذلك هو السؤال

مركز الانشغال بالأمور الحياتيّة لن يثمر إلاّ موت .. ودوائر دفن موتى ...

أمّا مركز الانشغال بملكوت الله يثمر حياة، وإعلان قيامة الموتى ...

قال يسوع: أنا القيامة والحياة، من آمن بي ولو مات فسيحيا (يو11: 25) ...

هو ينادينا أن ننشغل بالقيامة والحياة، وتلك الأمور الباقية هو يرتبها لنا ...


من يدعوه يسوع، تكون أولويته الأولى هي أن ينادي بملكوت الله ... حياته عينها تصبح نداءً أنّ ملكوت الله حقيقة ...

ليس النداء مجرّد خدمات وكلمات وكتب وعظات ... كلّ هذا نتاج حياة وليس مركز حياة ..

حياتنا الإنجيليّة هي أعظم نداء عن حقيقة ملكوت الله، وهي التي تجعل لكلامنا معنى حينما نتكلّم عن ملكوت الله، لأنّ حياتنا عينها نتاج تلامس مع تلك الحقيقة ...

يسهل معرفة الكلمات الناتجة عن تلامس مع الحقيقة الأبديّة، والكلام الناتج عن رغبة في الكلام ومهارة في الحديث وآداء مسرحي لجذب المستمعين!

ولكن الله يريد أن تصير حياتنا كلّها بجملتها "كلمة" أبديّة، وقتها ما تنطق به سيكون هو كلام الحياة الأبديّة بالصدق ...

ملكوت الله قريب، وفينا، وآتٍ، ومُحقَّق ...

والنداء بالملكوت هو نداء بالماضي والحاضر والمستقبل الذي مسّته النعمة وحوّلته إلى زمن خلاص ...

لا مكان للموت فيه، بل هو معبّأ برائحة الحياة ...


أبي القريب جدًّا،

حينما تطلق كلمتك: اتبعني،

هيئني بجملتي للقبول،

لا تسمح أن يكون فيَّ أي كينونة منفصلة رافضة لك،

اجمع انقسامي تحت لواء الطاعة الكاملة،

اضرم قلبي وذهني بحب الحقيقة

واحفظ النار المقدّسة متأججة ليل نهار

ودرّبني ألاّ أراوغ كلماتك

أكشفني بكشف روحك القدوس

لأرى المرض والهرب والخوف والانفلات والتسويف

ادع أرادتي للحياة

لئلا أميل إلى كورة الموت،

وأنشغل بدفن الموتى،

فأنت دعوتني للحياة،

وأنت الحياة،

دعوتني لك،

لأكون فيك،

وما أختبره في قربي منك،

أُعْلِنُه لآخرين جوعَى إلى الحب والمعنى

ليأت ملكوتك ويملك على كلّ النفوس الباحثة عنك

ليكون كما في السماء، كذلك على الأرض