اتبعني (1) - ليس له أين يسند رأسه


اتبعني

دعوات واستجابات على طريق تبعيّة الربّ يسوع

الدعوة الأولى

ليس له أين يسند رأسه

 

دعوتنا "المسيح"، لا أقل من ذلك. أن نكون على دربه ... في حبه نسكن ... على مثاله نتغير.

ولكن الدعوة ليست أمرًا هيِّنًا. أرى الكثير  جدًّا من المسيحيين يسألون حول الدعوة. يداعب خيالهم دعوة مباغتة كبولس الذي أشرق له النور المبرق واقتاده إلى الإيمان، وحرّكه الروح في كلّ خطوة على الطريق. البعض الآخر يشعرون أنّهم كصموئيل "عارية للرب" (1صمو1: 28) مكرّسون له، ينتظرون لحظة الإطلاق العظيم ليمارسوا دورهم في العمل الإلهي. والبعض الآخر، يشعر أن الدعوة قريبة يكاد يستشعر أنفاساها، ولكنّه مقيّد في عادات خلف قضبان في عبوديات تمنعه من الحركة والتشبث بالدعوة ونداءها. البعض يراها هادئة ناعمة مليئة بالفرح والتعزية، والبعض يهابها إذ يراها مضرجة بدماء التضحيات والذبائح. ما بين الشوق للدعوة، والخوف منها نتأرجح ..

ولكن من الهام جدًّا أن ندرك أولاً وقبل كلّ شيءٍ أنّ الدعوة هي "طريق" وليست "عمل"، ولعلّ من الأمور التي كانت تستوقفني دائمًا هي تسميّة المسيحيين الأولين باسم "الطريق" (أع9: 2)!! يبدو أنّ الكلام عن الطريق كان هو السمة السائدة في حواراتهم، ليس فقط لأنّ المسيح أعلن أنّه هو "الطريق"، ولكن لأنّه أرانا بنفسه الطريق التي نسلك فيها، على مثاله، لنحقِّق دعوتنا فيه ...

نحن مدعوون لتبعيّة على طريق لا لخدمة في وقت ما لشخصٍ ما / جماعة ما، أو آداء دور في موقف ما ...

وعلى طريق التبعيّة تنكشف لنا أمورًا مطلوبة منّا لممارسة دورنا كشهود للحقيقة الإلهيّة ... وفيما تغيّرنا الحقيقة الإلهيّة بالنعمة، تحرّكنا لمساعدة آخرين على طريق التغيُّر عينه ...

لن يطالبنا الله بعمل أشياءٍ إلاّ لو كانت في صميم تشكيلنا نحن ...

هو لا يفصل تشكيلنا عمّا نعمله، ولكنّه يطالبنا بالعمل الذي يسرع بنا على الطريق، ويحقّق وحدتنا معه في مدارات أعمق من الإخلاص والحب ...

في البداية، من المهم أن نتوقّف قليلاً عند دعوات الربّ يسوع، لعلّ الروح يفتح قلوبنا على ما ينقصنا، أو ما يعيقنا. لعلّه يدفعنا إن افتقرنا للقوّة الدافعة، ويشجعنا إن تعرّينا من الشجاعة الكافية ...

نقرأ في إنجيل القديس متى وإنجيل القديس لوقا عن الموقف الفريد الذي تتابع فيه حوارات المسيح المقتضبة والمباشرة حول التبعيّة والدعوة. سأتوقّف قليلاً عندها للتأمُّل فيما يريد الربّ أن يقول لنا ... وما الذي يجب علينا فعله ...


فَتَقَدَّمَ كَاتِبٌ وَقَالَ لَهُ: «يَا مُعَلِّمُ، أَتْبَعُكَ أَيْنَمَا تَمْضِي». فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: «لِلثَّعَالِب أَوْجِرَةٌ وَلِطُيُورِ السَّمَاءِ أَوْكَارٌ، وَأَمَّا ابْنُ الإِنْسَانِ فَلَيْسَ لَهُ أَيْنَ يُسْنِدُ رَأْسَهُ». (مت8: 19-20) //  وَفِيمَا هُمْ سَائِرُونَ فِي الطَّرِيقِ قَالَ لَهُ وَاحِدٌ: «يَا سَيِّدُ، أَتْبَعُكَ أَيْنَمَا تَمْضِي». فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: «لِلثَّعَالِبِ أَوْجِرَةٌ، وَلِطُيُورِ السَّمَاءِ أَوْكَارٌ، وَأَمَّا ابْنُ الإِنْسَانِ فَلَيْسَ لَهُ أَيْنَ يُسْنِدُ رَأْسَهُ». (لو9: 57-58)


بين الإنجيلين لا نجد اختلافًا في ردّ يسوع الحاسم، والمزلزل، والواضح، والكاشف، والمواجه. إلاّ أنّنا سنجد اختلافًا في هويّة المتسائل الأوّل. يقول لنا القديس متّى أنّ المتسائل كان كاتبًا أي معلمًا للتوراة، لذا كان من الطبيعي أن يخاطب المسيح بالمعلِّم لأنّه يوقّر العلم، ويراه بما يعجبه فيه. بينما القديس لوقا يقول أنّ المتسائل هو فقط "واحدٌ" من الجمع، وقد خاطب الربّ بالسيّد. هنا ندرك على الفور أنّ القديس متى يقدِّم لنا رسالة يسوع الخلاصيّة كانتقال من العهد القديم للعهد الجديد، لذا نجده حريصٌ على التأكيد على كلّ ما يتعلّق بالهويّة حينما يكون الأمر له علاقة باليهوديّة ليبرز لنا كيف أنّ الربّ يسوع بدأ يُخَلْخِل النُظُم الفكريّة والحياتيّة الراكدة في اليهوديّة ويضع أساسًا آخر لبناء أبدي لا يمكن هدمه. بينما القديس لوقا، معنى بالإنسانيّة، هو لا يقدّم لنا لاهوت الانتقال من العهد القديم للعهد الجديد، ولكنّه يقدّم لنا لاهوت الإنسانيّة التي يدعوها الربّ يسوع. في الحالتين يلتقي حملة الخبر المفرح؛ أي الإنجيل، معًا، في إجابة يسوع والتي هي بمثابة نقطة ارتكاز جديدة لليهود (من يحيون في العهد القديم)، والأمم (من يحيون في جهالة الله)، تلك النقطة هي الربّ يسوع نفسه وتبعيته.

فإن كان ما نعاني منه هو حياة لم تتجدَّد في الله، تحيا بناموس العهد القديم وحده، أو حياة لم تدرك الله تمر بها الأيام والسنون من دونه، فلنا في المسيح حياة. تلك رسالة الإنجيلين العامّة والتي من خلالها يمكن قراءة كلّ نصٍ من هذه الزاوية.

من الهام أن نقرأ الاختلافات بين نصوص الأناجيل انطلاقًا من الأساس اللاّهوتي الذي يحرِّك به الروح القدس كاتب الإنجيل، ليعلن وجهًا من أوجه الخلاص، تُمَثِّل مرحلة من مسيرة الإنسان نفسه نحو الله. من الهام هنا أن أشير إلى أنّ القديس لوقا لم يقدّم ما يخالف القديس متى، ولكنّه لم يركز على ما ركّز عليه إنجيل متى وذلك بسبب نقطة الانطلاق المختلفة والمسار الموازي ليصلوا جميعًا لنفس الحقيقة الخلاصيّة. كما أقول مثلاً إنّ شخصٌ ما قابل البابا، ولكن يأتي آخر يريد أن ينظر من زاوية أخرى للقاء ويقول إن خادم العشوائيات فلان قابل البابا. الأول يريد أن يركز على اللقاء وما انتهى إليه الحوار، والأخير يريد أن يركّز على هويّة الشخص ليظهر رسالة ما في القصّة، بجانب ما انتهى إليه اللقاء.


اقترب من يسوع كاتبٌ أي مُعَلِم ناموس، وقال له يا معلّم، أتبعك أينما تمضي. 

تبدو الرغبة جيّدة، ولكن الرغبات الجيّدة لا تُخَلِّص، يجب أن يصاحبها وعي بالذات، وبالطريق، وبالهدف، لئلا تكون حماسة أو نشوة تولَّدت في لحظة تألُّق الرسالة الخلاصيّة في المعجزات أو التفاف الجموع وتبعيتهم!

كثيرًا ما تبهرنا أضواء الدعوات دون أن ندرك تكلفتها الحقيقيّة!

كثيرًا ما تغازلنا كاريزما شخصيات قياديّة دون أن نعي أنّ هناك ذبيحة في حياتهم تُقَدَّم ...

لا يُبْنَى طريق يسوع على الانفعال اللّحظي ...

لا تُبْنَى تبعيّة يسوع على نشوة عابرة ...

لن يستطيع أن يسير أحدٌ على الطريق لأنّه فقط يريد أن يكون جزءًا من تلك الحركة العالميّة الشهيرة، والتي قد تعد بمكانة عظيمة له في المستقبل!

تبعيّة الربّ يسوع تُجَرِّدنا ليَمْلُك هو

تُخْلِينا ليسكُن هو

تُفْقُرنا من "الأنا" ليصير هو كلّ ما لنا

لا يمكن تبعيته بأفكار من نفس نمط أفكار إنساننا الأرضي / العتيق، حتى وإن كان يبدو على تلك الأفكار أنّها روحيّة ...


كان الكاتب يريد أن يتبع معلِّم أفضل!!

ولكن الربّ يسوع يقدّم نفسه كطريق أفضل وأوحد لا كتعليم أفضل ...

لقد طالبنا الربّ يسوع أنْ يَزِد برّنا على الكتبة والفريسيين لدخول ملكوت السماوات (مت5: 20)

حينما يكون المسيح هو برّنا ومحرّكنا بالتمام، ندخل إليه ونتعشى معه في ملكوته ...

جَرح الكاتب الروحي ومرضه يكمن في أنّه يريد أمان الأفكار الساكنة الراكدة المحلّقة بعيدًا عن التبعيّة الحقيقيّة، بعيدًا عن مغامرة الرحلة، بعيدًا عن قيادة الروح للأفكار ليزرع هو منها ما يلائم تدبير الله في حياة الإنسان والكنيسة والعالم ...

هو يريد معلِّم لا  مخلِّص

هو لا يشعر بأنّ طبيعته الفاسدة تحتاج إلى شفاء، ولكنّه يرى أن لديه بعض الأفكار غير المرتبة والتي ينقصها بعض الحكمة وفهم أعمق للناموس!

لا يكفي أبدًا أن نطلب أن نتبع يسوع بشكلٍ عام ...

ولكن يجب أن نطلب إليه أن يكشف لنا ما يعوِّقنا عن تحويل الإرادة إلى حركة وسير على الطريق ..

قبل أن يكشف لنا يسوع عن مرضنا، فرغباتنا ليست أكثر من طموح كما طموحنا الإنساني قد يصيب أو يخيب ...

ولكن إن قبلنا مواجهته لنا بمرضنا الحقيقي، بدأنا التهيئة لتبعيّة صادقة تستمر .. تبعيّة مُؤَمَّنة بمَنْ يدعو ...


إجابه يسوع له كانت: "للثعالب أوجرة، ولطيور السماء  أوكار ..."

من يحيا كما العالم، بالطبيعة الحيوانيّة، من الطبيعي أن يطلب الأمان والراحة ... ولكن ليس هذا مقياس الله ...

هناك من بقي في اليوم الخامس (الطيور) من أيام الخليقة، وبدأ في اليوم السادس (الدواب)، ولكنّه لم يصل بعد إلى آدم (المخلوق على صورة الله)!

لا يزال يتحرّك بالغريزة التي لا تدرك الخراب والفساد والموت والذات التي تحرّكه، ولا يدرك أصل الصورة الإلهيّة التي فيه، تلك المدعوة لتحقيق مثالها!

الثعالب في الكتاب المقدّس علامة خراب (مراثي5: 18)، مكر (لو 13: 32)، وفساد (نش2: 15)، وطيور السماء علامة الموت لأنّ طيور السماء كانت تتجمع حول الجيف الميّتة (تث 22: 26؛ 1مل14: 11، 16: 4، 21: 24 ... إلخ) ..

ولكن، الخليقة الجديدة لا يمكنّها إلاّ أن تكون في حالة ارتحال نحو المثال الكامل، والملء غير المنقوص ...

لذا نجد أنّ الغربة من مفردات أدبيات الصحاري المصريّة القديمة. آباؤنا لم يتحدَّثوا عن الغُرْبَة المكانيّة فقط، تلك التي يبتعدون فيها عن الجموع، ولكنّهم تحدّثوا عن "شعور الغربة" لأن لديهم "شعور الوطن الأفضل".

من بدأ يختبر وجوده في الوطن الأفضل، يبدأ احساسه بالتغرُّب. لا يرى أي مكان كمستقر، بل كمحطة ستعبر.

يكون على أهبّة الاستعداد للحركة، مُمَنطَق الإدراك والوعي بأنّ الروح قد يدعوه للقيام والارتحال إلى مكان آخر / رسالة أخرى، ويقبل على الفور لأنّ حس الوطن الأفضل يُسَهِّل استجابته للحركة.

من له جذور في الأوجرة أو الأوكار، متى  دُعيَ، ينازع حتى يستطيع الحركة، إن استطاع. الجذور الممتدة تعيقه.

قد تكون الجذور هي أفكار وتصورات، أو علاقات، أو أماكن آمنة، أو أموال، أو مناصب، أو خدمات، أو مكانة، أو سمعة، أو تاريخ يريد الحفاظ عليه، أو خدمات له فيها دورٌ بارز، أو مستقبل ينتظره يجعله يتصرف بطريقة معيّنة للوصول إلى مبتغاه، أو خوف .... إلخ.

الجذور التي تخلقها الطبيعة الفاسدة / العتيقة تمنع التحليق إلى فوق، تبطئ الحركة للغاية، تجعلنا مترددين قبل البدء في التحرُّك، تجعلنا متثاقلين جدًا على الطريق، تجعلنا ننظر للخلف بين الآن والآخر، لأن حنيننا للخلف!


"ابن الإنسان ليس له أين يسند رأسه"

لقد عرّف يسوع نفسه بلقب ابن الإنسان؛ أي أنّه عرَّف نفسه بنا!

إن آمنت أنّ يسوع هو "ابن الإنسان"، يمكنك أن تبدأ في تبعيته لتتعرّف عليه كـ "ابن الله". لم يتكلَّم المسيح كثيرًا مستخدمًا تعبير "ابن الله" وهذا هو العجب!! ولكن تعبير "ابن الله" كانت شهادة البشر، وحتى الشياطين عنه!!

يسوع ولد في العالم، والتاريخ الإنساني، وفي قريّة صغيرة من قرى مدينة شرق أوسطيّة محتّلة في ليلة عاديّة للغاية. وُلِد في أجواء إنسانيّة كالأجواء التي يحيا فيها أغلب البشر. وُلِدَ كابن أي إنسان. وفي حياته، ومع بداية خدمته بدأ يُظهر لنا نفسه من خلال أعماله أنّه ابن لله.

الربّ يسوع يريدنا نحن أن نكتشف ألوهته على الطريق؛ لا الألوهة والقدرة النظريّة التي ننطق بها في مصطلحات عقائديّة وقوانين إيمان نرتلها معًا ونحاجج بها آخرين .. كلاّ ... هو يريدك أن تكتشفه على الطريق كإلهك أنت القادر على كلّ شيء .. ترتل مع الفتية الثلاثة "الله إلهي أنا" ... وحينما تكتشفه كإلهك أنت بالرغم من كلّ الشكوك الإنسانيّة المحيطة بك، والأمور التي يبدو أنّها لا تتغيّر، والصلوات التي يبدو أنّها لا تُسْمَع ولا تُسْتَجَاب، أي في وسط كلّ ما هو إنساني عادي وطبيعي، وقتها ستجد الروح القدس يضع في قلبك وعلى لسانك ترتيلة جديدة محورها ومركزها يسوع كابن الله، وسيبدأ إدراكك للمرحلة الجديدة في رحلة التبعيّة للتغيُّر  إلى صورته لتصير ابنًا لله بنعمته.

على طريق التبعيّة، يقدِّم لنا المسيح نفسه "ابنًا للإنسان"، لأنّه يقدِّم لنا نفسه كطريق للإنسان. هو يبدأ معنا من نقطة إنسانيتنا ويتحرّك بنا ومعنا وفينا إلى الآب، لنكتشف مكاننا وموقعنا ونرث، فيه، بنوتنا لله.


لقد صار يسوع ابنًا للإنسان، ليجعل الإنسان ابنًا لله، هكذا كتب الآباء ...

أخذ الذي لنا، وأعطانا الذي له، هكذا نرتِّل في تسابيحنا ...


ولكن،

هو قد أنار لنا الطريق، لنسير عليه، خلفه، على مثاله، لا لنحتفل بما قام به ونحن في لامبالاة في سلوكنا وحياتنا اليوميّة!!

هو أرانا، أن التبعيّة تبدأ من كلّ ما هو إنساني، لتصل إلى ما هو إلهي بنعمته ...

كثيرون يقولون لماذا لم يعلن أنّه الله بشكلٍ واضحٍ؟!

يبدو أنّهم لا يفهمون طريقه!

يسوع لا يريد أن يعلن لنا من البداية "من هو"، ولكن يريدنا أن نكتشف نحن بأنفسنا بمعونة الروح القدس "من هو" ...

هو يعمل أعمال، ويقول انظروا للأعمال، واكتشفوا من أنا؟!

يسأل تلاميذه عمّا يقوله الناس عنه ...

هو أتى ليرسم لنا طريق اكتشافه لا كالإله .. كلاّ ... ولكن كإلهي أنا ... الذي فيه لي البنوّة ...

الربّ يسوع لم يأت ليجيب على أسئلة، ولكنّه أتى لينير طريق الإجابات لنصل نحن إليها ...


ليس ليسوع أين يسند رأسه!

ليست تلك الكلمات للتأمُّل في عظمة الربّ يسوع فقط، ولكنّها طريقة حياة علينا أن نبدأ في تبنيها.

يسوع كان في حالة ارتحال دائم؛ يكرز ويعلم ويشفي ويتحرَّك من مكان لمكان وفقًا لمشيئة الآب. ومكان مشيئة الآب هو التلامس مع أوجاع واحتياجات البشر وصرخات المتألِّمين والمتعبين وتساؤلات المتسائلين. مشيئته تُرْسِل لهم من يجيبهم على سؤالٍ، وينير لهم طريق، ويأتيهم بكلمة من المعزّي، ويطبّب جرحهم النازف. مشيئته ترسل صوتُ صارخٍ في البريّة إن ابتعدوا عنه. مشيئته منصّة إطلاق لإرساليات لكلّ من يطلب الله ...

إنّ الآب هو ارسال دائمٌ والابن مُرسَل دائمًا، والروح يأخذ من إرساليّة الابن ليعزي ويرشد قلوبنا. كلّ من يعرف الابن يصير ابنًا للرحلة والترحال. سيحرّكه الربّ يسوع بالروح إلى مواطن تحقيق مشيئة الآب. في الكثير من الأحيان لن تكون تلك المشيئة واضحة وظاهرة مفهومة. ولكن التبعيّة تتطلّب أن يكون هو لنا رأسًا وعقلاً مدبِّرًا ونحن له يدًا في العالم. التبعيّة تتطلّب إيمانًا ...

واحدة من أزماتنا هي أنّنا نريد أن نستقر قبل أوان الاستقرار. نسعى لمنطقة الأمان والتي هي بالحقيقة ليست آمنة! ولن تكون لأنّها أرضيّة!

هل امتلاك بيت استقرارٌ؟!

هل العمل والوظيفة المربحة استقرارٌ؟!

هل العلاقات واتساعها استقرارٌ؟!

هل الصحّة استقرارٌ؟!

هل الحسابات البنكيّة استقرارٌ؟!

هل الطعام المكدَّس استقرارٌ؟!

هل التأمين على الحياة وعلى الصحّة استقرارٌ؟!

هل اعتمادك على ذكائك استقرارٌ؟!

هل تدرُّبك على الانتصار في الحوار مع آخرين استقرارٌ؟!

هل ذهابك للخدمات وتدرّجك في الخدمات استقرارٌ؟!

هل السعي لالتفاف الناس حولك استقرارٌ؟!

هل ارتداء أقنعة التقوى استقرارٌ؟!

هل تحدُّثك بكلمات الإنجيل والآباء استقرارٌ؟!

ألا يمكن أن تتبدّد تلك كلّها  بين عشية وضحاها؟! أم أنّ هذا لا يحدث؟!

كيف نحاول أن نبذر بذور الاستقرار على الشاطئ حيث أمواج الزمن تضرب كلّ من على الشاطئ!!

لن نتمكّن، وإن توهّمنا ذلك لفترة من الفترات ...


ابن الإنسان ليس له أين يسند رأسه. مستقره الوحيد هو مشيئة الآب؛ طعامي أن أعمل مشيئة الذي أرسلني وأتمم عمله (يو4: 34). تلك هي دعوتنا؛ أن يكون مستقرنا الوحيد هو مشيئة الآب وليس أي شيء أو أمر آخر مهما كان ساميًّا وطبيعيًّا.

كلّ السعي الإنساني الطبيعي في الحياة لازم للحياة، ولكن أن يتحوّل في أذهاننا وخططنا المستقبليّة مساويًّا للاستقرار تلك هي المشكلة الروحيّة التي نعاني منها. علينا أن نسعى في حياتنا، ولكن في قلوبنا وأذهاننا يجب أن نرسِّخ حقيقة أنّ المركز الوحيد الثابت والدائم هو مشيئة الآب. يجب أن نتدرّب في الطريق الروحي على رفض أي اطمئنان كاذب لمستقرات كاذبة، نرفض تلك الفكرة وهذا الشعور، ولا نهدأ حتى تكون مشيئة الآب هي نورنا الهادي وأماننا الحقيقي ومشروعنا الدائم وموطننا الختامي؛ فيسوعنا ليس له أين يسند رأسه إلاّ في حضن الآب ...

إلى هذا يدعونا ... لنحيا كمثاله ...



هبنا يا ربّ يسوع، خفّة الروح

امنحنا أرجل الأيّل التي تقفز فوق المرتفعات ولا يستوقفها شيء

لنتبعك أينما تمضي

لن نسائلك قبل الحركة

ولن نتصوّرك بعد كمعلّم يحمل لنا تعاليم أفضل

بل نؤمن بك كمخلَّص تقودنا على الطريق الأفضل

سنكون على أهبّة الاستعداد لأنّنا نريد أن نرافقك أكثر من أي شيءٍ آخر

فقط سنصلي ... ونتقوى ... ونتبعك ... متكلين على نعمتك الكافية كل الكفاية

وحينما تداهمنا أفكار الخوف، ويحاصرنا حنين الرجوع

سنرفع أعيننا إلى فوق .. إلى المدينة الأفضل .. إلى أورشليم العليا .. إلى مائدة الحمل .. إلى محفل وربوات وجموع السمائيين

سنختزن حنينًا لفوق ليغلب كلّ ما هو من أسفل فينا

وسنقوم نسير  ... بالإيمان

لأنّك لنا، أفضل لنا من الحياة

لأنّك لنا "ابن الله" الذي صار "ابن الإنسان"

لنصير أبناء البشر، الذي يصيروا أولاد الله

المولودون من الله ...