ملكوت الله في عالمنا


أتذكّر أنّه ذات يوم وأنا برفقة أحد الأشخاص وهو من جمهوريّة الدومنيكان، ونحن متجهون لسوميرست Sommerset في نيوجيرسي NJ، أنْ سألني بلغة أقرب للأسبانيّة منها للإنجليزيّة، ولكني استطعت أن أستوعب السؤال من محاولاته للشرح بكلّ جوارحه؛ هل تعتقد أنّ الملكوت اقترب؟ وحينما سألته لماذا يفكّر في هذا الأمر؟ أجاب: بسبب الزلازل والأعاصير التي حدثت مؤخرًا في بعض الولايات الأمريكيّة وفي المكسيك وغيرها من البلدان (التي يعرفها). يبدو لي أنّ هذا الشخص لم يكن ممّن يمكن أن نطلق عليهم ˮأبناء الكنيسة“، ولكنّه كمسيحي يبدو منشغلاً بعلامات اقتراب الساعة. لم أكن أعتقد أنّي في أمريكا، بعيدًا عن أي تجمّع مسيحي، سأسمع كلامًا مرتبطًا بالإنجيل من قريب أو من بعيد! على أي حال، حاولت أن أوضّح له باقتضابٍ، لأنّه لا يتقن الإنجليزيّة، معنى اقتراب الملكوت، وتصوّرات النّاس عنه في كلّ عصر.

أعتقد أنّ تلك الأجواء كانت هي المسيطرة على المشهد في القرن الأوّل الميلادي، إذ كان السؤال حول المسيّا والرغبة في التحرّر من ربقة سلطة روما واسترجاع مجد المملكة الداووديّة القديمة هو الحلم الذي يداعب أذهان اليهود آنذاك.

لقد بدأت خدمة الربّ يسوع في تلك الأجواء. من هنا يمكننا أن نفهم أهميّة نداء المسيح باقتراب ملكوت الله، وفي نصوص أخرى بمجيء ملكوت الله (مت12: 28). إنّه تجديد الاحساس باستعادة المملكة المفقودة؛ ولكن المملكة لم تكن مفقودة على المستوى التاريخي فحسب، ولكنّها فقدت في التصوّرات الذهنيّة التي حصرت الأمر إلى حد كبير في الحدود الجغرافيّة، والإنتاج الزراعي والحيواني!!

بعد أن دوّن لنا القديس مرقس كلمات يسوع الاستهلاليّة؛ والتي تشير إلى اقتراب الملكوت مر1: 15، عَمَدَ لتوضيح ماهيّة هذا الملكوت الذي يقترب رويدًا رويدًا من الإنسانيّة (بشكل عام) / ومن إسرائيل (بشكل خاص) من خلال مجموعة من الأحداث التي تسير في خطٍ واحدٍ.

سرد لنا القديس مرقس اللّقاء الأوّل مع سمعان وأندراوس؛ ليشير ضمنًا إلى أنّ ملكوت الله المُقْتَرِب في مَقْدم يسوع له سلطة على تغيير حياة البشر بشكل جذري. فحالما دعا الربّ يسوع، سمعان وأندراوس، تركا الشباك على الفور، والتي تُمَثِّل رأس المال والأمان المادّي والمهنة التي يتقناها والميراث العائلي، وتبعا يسوع (مر1: 18). تكرّر هذا الأمر مع ابني زبدي (مر1: 20).

عن هذا الأمر يكتب لنا القديس جيروم (عظة 83) متحدثًا عن تلك المقابلة الفارقة ليسوع مع صيادي السمك، فيقول:

لقد كانت هناك ثمّة قوّة إلهيّة في وجه المخلِّص، وإلاّ لما بدر منهما رد الفعل اللاّعقلاني المتمثل في تبعيّة رجل ما لم يروه من قبل. هل يمكن لشخصٍ ما أن يترك أباه ليتبع رجلاً ليس به أكثر ممّا يراه في أبيه بالفعل؟ لقد تركا الأب الجسدي ليتبعا الأب الروحي. إنهما لم يتركا أبًا، ولكن بالحري وجدا أبًا. ولكن لماذا هذا الاستطراد في السرد؟ كان ذلك لإبراز أنّ هناك شيئًا ما إلهيًّا في مُحيّا المُخَلِّص لم يكن بمقدور هذا المرء الذي يراه أنّ يقاومه.

ثم ينقلنا القديس مرقس إلى مشهد تعليم الربّ يسوع في المجمع ليؤكِّد أنّ تعاليم يسوع كانت بسلطةٍ (مر1: 22) لم يعهدها الكتبة والفريسيون ولم يألفها الحاضرون آنذاك. هذا المشهد يوضِّح أنّ ملكوت الله قادر على تغيير التصورات الذهنيّة عن الله والدخول في عالم الأفكار والمفاهيم لضبط إيقاعها (التعليم) حتى تستطيع أن تألف يسوع؛ كالمسيا المنتظر، ومن ثمّ كالله الظاهر في الجسد.

بعدها مباشرة، ينقلنا القديس مرقس إلى مشهد طرد الأرواح الشريرة من أحد الحاضرين في المجمع والذي أعلن معرفته ليسوع المسيح أنّه قدوس الله (مر1: 23-26). من جديد يلفت نظرنا القديس مرقس إلى سلطان ملكوت الله والذي بدأت الجموع تتهامس فيما بينها حوله (مر1: 27)، إذ أنّه سلطان قادر على اختراق دوائر العالم غير المنظور لاسترداد حريات البشر المقيدين والمأسورين من قبضة إبليس.

من المتوقع، أن يكون الحدث التالي في المخطّط التوضيحي لدى القديس مرقس لإظهار ماهيّة ملكوت الله، من خلال أعمال وتعاليم الربّ يسوع، هو سلطته على الأمراض. وبالفعل يسرد القديس مرقس شفاء حماة سمعان من الحمى (مر1: 30 - 31)، ليظهر لنا سلطان ملكوت الله على المرض ومن ثمّ القدرة على الشفاء.

ويتم اجمال المشهد في تدافع أولئك المرضى والممسوسين من إبليس إلى حيث كان يسوع (مر1: 32-34) .. إلى ذاك الذي يملك سلطانًا يغيّر به واقع البشر، ليسألوا الشفاء، وبالفعل ينالون شفاءً.

وينتقل المشهد إلى سلطان الملكوت على الأمراض المرتبطة في الوعي اليهودي بالخطيّة، أو التي تتسبب في عزلة عن الجماعة اليهوديّة؛ كالأبرص الذي طهره يسوع (مر1: 40-42) ليعلن أنّ ملكوت الله قادر أن يُطهّر إلى التمام أولئك الذين عانوا طويلاً من اغتراب عن الجماعة والبيت اليهوي.

لقد أراد القديس مرقس من خلال هذا السرد المتوالي أنّ يوضح أنّ ملكوت الله الذي يعلنه الربّ يسوع هو ملكوت حاضر وفاعل ومؤثّر ومغيّر لواقع البشر. إنّه كما كتب عنه العالم الكتابي C. H. Dodd ليس هو الملكوت الإسخاطولوجي المستقبلي فقط، كما تبنّت المدرسة الألمانيّة في التفسير على يد شفيتزر Schweitzer ويوليشر Jülicher، ولكنّه الملكوت المُتَحَقِّق أو الإسخاطولوجيا المُدْرَكة الآنRealized Eschatology . إنّه ليس وشيك الحدوث، ولكنّه حاضر الآن. بهذا الصدد، يضيف Dodd مُعَلِّقًا على مت12: 28 في تفسيره على إنجيل يوحنا، قائلاً:

إنّ ملكوت الله الإسخاطولوجي تم إعلانه كحقيقة واقعة في الحاضر، والتي يتعيّن على البشر التفاعل معها من خلال أفعالهم؛ سواء بالرفض أو بالقبول.  

لقد شبّه أستاذ العهد الجديد C. Black مفارقة الملكوت بالانتخابات الرئاسيّة يوم ظهور نتيجة الفرز ومعرفة الفائز. إلاّ أنّ هناك يومًا آخرَ علينا أن ندرك أهميته ألا وهو يوم التنصيب الرئاسي. الملكوت بالفعل بدأ وحضر (ظهرت نتيجة الفرز)، ولكنّه لم يكتمل بعد (لم يتم التنصيب بعد)؛ إذ لم يتم استعلان مُلْك الله على كل الخليقة بعد وخضوع الكلّ لرأسٍ واحد هو يسوع المسيح لمجد الله الآب. إنّ تلك المفارقة نجدها بوضوح في الرسالة إلى العبرانيين: ˮلأَنَّهُ إِذْ أَخْضَعَ الْكُلَّ لَهُ لَمْ يَتْرُكْ شَيْئًا غَيْرَ خَاضِعٍ لَهُ. عَلَى أَنَّنَا الآنَ (nyn) Νῦν لَسْنَا نَرَى الْكُلَّ بَعْدُ (de oupo) δὲ οὔπω مُخْضَعًا لَهُ.“ (عب2: 8). الملكوت يحوي تلك المفارقة فهو حاضر الآن Νῦν ولكن لم يكتمل استعلانه بعد δὲ οὔπω.

إنّ حضور ملكوت الله بالفعل يجعلنا نؤمن وندرك أنّه الملكوت القادر أن يستنهض الخائرين (الآن) للتبعيّة الكاملة للمُخَلِّص، وهو الملكوت القادر أن يدخل عالم الأفكار (الآن) ليُوَسِّع من آفاق الوعي الوجودي ليشمل الحقيقة الإلهيّة وليس الماديّة فقط، وهو الملكوت القادر أن يدخل عالم الأرواح (الآن) ليحرّر الذين تسلَّط عليهم إبليس زمانًا طويلاً، وهو الملكوت القادر أن يدخل دائرة الأجساد (الآن) ليعيد التناغم والصحّة في الأبدان المعتلّة، وهو الملكوت القادر أن يسترد المهمَّشين والمنبوذين (الآن) إلى البيت كأبناء في بيت أبيهم، وكأخوة في ميراث مشترك. كلّ هذا يؤكِّد أنّ ملكوت الله ليس هو الموقف الأخروي النهائي فقط، ولكنّه يبدأ من هنا والآن، من الزمان والمكان، من أوجاع البشر واحتياجاتهم وآلامهم، من التحديات الإنسانيّة. إنّه الملكوت الذي يبدأ من حيث الإنسان، ليرفع الإنسان إلى حيث الله.