قداس لن ينتهي

اجْتَمَعَ الجَسد، كعادته، حول الحَمَلِ يوم الأحد. دَخَلَ كلٌّ منهم حاملاً هَمًّا أو شوقًا أو طلبةً. احتضَنَت الكنيسةُ الدافئةُ صلواتَهم وشهدت عليها. كان منهم نساءٌ مُتَعَاهِدَات بِتَقْوَى الله بأعْمَالٍ صالِحةٍ (1تي2: 10). كان منهم فتياتٌ تتفتَّح الحياة الرَّحبة أمام وجوههن. كان بعضهم من الأطفال الذين اصْطَحَبَهم ذويهم ليتربَّى في وجدانهم جمالات الكنيسة، لينشأوا على أنغام التسبيح السماوي، ليتهذّبوا تحت أيقونات القديسين، لتكون لهم مَصَادرَ إلهامٍ وبطولةٍ. شَاَرَك بعضهم التسبيح بصوتٍ جهور، بينما آثر بعضهم الصلاة الصامتة. كانت عيونهم نحو المذبح، نحو الحَمَلَ المذبوح. قلوبهم تتوق للاتّحاد بيسوع؛ ليأكلوا جسده المكسور، ويرتشفوا من دمائه المسفوكة. وبينما كانوا يشاركون الأرضيين في تسبيح السمائيين، إذ بهم يرون أنفسهم وسط السمائيين يَلْمَحون من بعيد الأرضيين!! رأوا أنفسهم في مكانٍ آخر .. في واقعٍ آخر .. يَسْتَمِعون للُّغة أخرى من جموعٍ كثيرةٍ، صوتها كصوت خرير المياه، قائلين: ”مُسْتَحِقٌّ هُوَ الْحَمَلُ الْمَذْبُوحُ أَنْ يَأْخُذَ الْقُدْرَةَ وَالْغِنَى وَالْحِكْمَةَ وَالْقُوَّةَ وَالْكَرَامَةَ وَالْمَجْدَ وَالْبَرَكَةَ“ (رؤ5: 12). وجدوا أنّهم يشاركون الهتاف في غمرٍ من الفرح. في لحظةٍ خاطفةٍ، وجدوا أنفسهم أمام العرش الإلهي .. حيث يسوعُ مَلِكٌ تهتف له كلّ الأمم والقبائل والألسنة.

هل هذا حلمٌ أم واقعٌ؟!

هل يمكن أنْ نَنْتَقِل هكذا سريعًا إلى الخدر السمائي؟!

هل بهذا اليُسر نتراءى أمام الربّ ويتراءى لنا في جمع قديسيه حاملين أغصان الترحيب الملوكي. وما هذه البُقع الحمراء التي تُلَطِّخ ثيابنا؟؟ ولماذا هي منيرةٌ بهذا الشّكل؟؟

لماذا يَحْتَفون بنا وكأنّنا من أبطال الإيمان؟؟

ما الذي حدث؟؟

لم تكن تلك تساؤلاتهم؛ فقد تَحَرَّروا من الحيرة، وعاينوا اليقين. ولكنّها تساؤلات تَدُور بمُخيلتنا نحن، من جهتهم، حينما نُفَكِّر في تلك النقلة السّريعة والخاطفة من الوجود في حضورٍ إلهي كانوا يَتَحَسَّسونه بالإيمان، إلى حضورٍ يُحَدِّقون فيه، بالعيان. نَتَخيَّل تفكيرهم بعد تلك اللّحظة الخاطفة والتي انتقلت بهم من وعيٍّ مرتبطٍ بالمحسوس والمرئي، إلى وعيٍّ يرى ما لا يُرى، ويسمع ما لا يُعَبَّر عنه، ويَشْعُر بما لا يقدر إنسانٍ على احتوائه في قلبه.

ذاك الذي تَرَجُّوه في صلواتهم، الآن يرونه. شَوقُهم الآن حقيقةٌ ماثلةٌ أمامهم. طلبتُهم الآن لا تحتاج لمعونةٍ لترتفع للعلاء، فهم معه في العلاء. حيرتهم وتساؤلهم الذي نَسَجَتْهُ الحياة غير العادلة ذاب أمام لهب حضوره. هناك لم يتأوّهوا من هَول ما حَدَثَ؛ فالانجذاب والحريّة التي يختبرونها لا تجعل للذاكرة ولا للذكرى مكانًا. هناك، تَرْتَسِمُ بَسْمَةٌ صادقةٌ صافيةٌ على وجوههم؛ إذ، المُحِبّ والمحبوب تلاقوا معًا بعد تَلَهُّف اللّيالي وحَنين السّنين.

وإذ بهم ينظرون من العلاء، لأسفل، ليروا دموعًا ودماء وأشلاء اختلطت معًا. يرون جموعًا مكلومة، وقلوبًا كسيرة، ووجوهًا مكمدة، وألسنةً تصيح في غضب. يرون الخوف والألم، الحيرة والتساؤل، المرارة والوجع!!

إنّهم يطلقون كلماتهم لنا عبر الأثير قائلين: نحن الآن في بهجة الحضور، نَطْفُرُ من الفَرح الأبدي. لو عاد الزمن وكان لنا الخيار، لما اخترنا سوى ما حدث؛ فخفّة الضيقة الوقتية حَمَلَت لنا مجدًا أبديًّا فائقًا بمراحم إلهنا (انظر: 2كو4: 17). لقد دَخَلنا القدّاس الإلهي أملاً في بعضٍ من النعمة ترافقنا في يومنا وحياتنا وتحدّياتنا، وإذ بنا مغمورين في نعمةِ الذي أحبّنا وبذل نفسه لأجلنا. لقد وطأت أقدامنا الكنيسة وقد اعتدنا أنْ نغادرها بعد انتهاء الصّلاة، وها أقدامنا الآن كأرجل الأيِّل تَقْفِزُ فوق مُرْتَفَعات الغبطة الأبديّة. الآن نُعاين الجمال الأبدي الذي يَمْتَزِج بقلوبنا فيُصَيِّرها جُزءًا من الجمال عينه.

آه .. لو تدركوا الحبّ الإلهي لما ذَرَفتم دمعةً إلاّ على ابتعادكِم عن أحضان الربّ يسوع ...

نعم لقد بدأ قدّاس الأحد .. ولكنّنا الآن في الأحد الذي لا يعقبه زمن .. نحن الآن في اليوم الثامن .. نحن الآن في القدّاس الذي لن يَنْتَهي.