ملكوت الله خطر على نظم العالم


من الأمور التي يجب أنْ نَلْتَفِت لها في بحثنا عن معنَى ملكوت الله وكيفيّة استعلانه والتحديات التي تواجه كلّ من يريد أنْ يحيا بقوة ملكوت الله وفي دائرة ملكوت الله وبقيم ملكوت الله، هو أنّ ملكوت الله له تأثيرات حقيقيّة وواقعيّة على كلّ مناحي الحياة، سواء أدركنا ذلك أم لم ندركه. يمكن أنْ نَلْمَح مشهدًا من مشاهد تأثير ملكوت الله على الواقع الإنساني الاجتماعي والاقتصادي في الموقف الذي حدث مع بولس وسيلا في فيلبي (أع16).

لقد كانت تلاحق بولس وسيلا امرأة؛ بها روح عرافة لعِدَّة أيام، بينما كانوا يكرزون بالكلمة، وللعجب؛ كانت تلك المرأة تَكْرِز باستقامة إيمان بولس وصِحَّة الطريق الذي يدعو إليه! إلاّ أنّ بولس لا يقبل شهادة عن الطريق الإلهي من روح مُضلٍ أو من نفسٍ مقيَّدة بقيود من ظلمةٍ. ما كان من بولس إلاّ أنْ استخدم سلطانه الروحي بحسب الموهبة والنعمة المعطاة له وانتهر الروح الذي فيها باسم يسوع المسيح. خَرَجَ الروح وتَحَرَّرت المرأة، إلاّ أنّ المشهد لم ينته فقد تحوّل الأمر إلى أزمة!

لقد كان يستثمر البعض تلك المرأة بالروح الذي فيها ليجتذبوا الناس، ويتربَّحوا من معارفَ قد تُفْصِح إليهم عنها من خلال القوى الشيطانيّة تلك المرتبطة بها بعلاقةٍ وثيقةٍ سواء صدقت أم صدفت. إنّ تحرُّر المرأة من روح العِرافة يعني انتفاء مكسبهم ومغنمهم اليومي. اجتمع موالي تلك المرأة التي كانوا يتربّحون من قيودها على بولس وسيلا وجرّوهما إلى السوق وبدأوا في قذفهما بشكايات ظاهرها يتعلَّق بالقوميّة الرومانيّة التي أهينت من قبل تعليم بولس وسيلا، ولكن في باطنها هي اقتصاديّة. كانت حُجَّتهم المُعْلَنَة هي أنّ بولس وسيلا ”يهوديّان“، وهو الأمر الذي يُهيِّئ الأسماع لتلقُّف التُّهم التالية بأريحيّة كبيرة وبقابليّة للتصديق؛ وذلك لربط يهوديتهما بمواقف يهوديّة لثائرين من التاريخ قد أَدَّت إلى شغبٍ واضطرابٍ في عِدَّة مقاطعات رومانيّة قبل ذلك. وبما أنّهما يهوديان، فهما يناديان بعوائد لا يجوز للرومان العظماء أنْ يقبلوها، وهم من يسببون بلبلة في المدينة! يجب أنْ تُحاك التهمة بحنكة ومهارة حتى تصل إلى الحُكْمِ المَرْجو فضلاً عن دعم الجموع. إنّها آلية برمجة العقل في اتجاهٍ ما؛ حتى يمكن إقناع هذا العقل بأشياء ضدّ البديهة وضدّ المنطق وضدّ التاريخ وضدّ الحقيقة! وقتها ستصدق الجموع؛ لأنّ العقل الجمعي تم إعادة تشكيله ليفقد قدرته على التحليل والتوثُّق الشخصي من الحقيقة.

لم يجد الرسولان فرصة للدفاع عن نفسيهما؛ فقد صَدَرَ الحُكم مع نُطق آخر كلمات الادّعاء؛ فالقلوب مُهَيَّأة لإنزال العقاب بمَنْ يَضُرُّ باقتصاد الولاة وكبار المدينة! بدأت الأيادي تتبارَى في ملاحقتهم بالعصي في ضرباتٍ موجعةٍ متتاليةٍ حتى ما بقي فيهما قوّةٌ على النهوض. وحالما رآهما الوالي بلا حِراك ولا قُوَّة تَنَسَّم رائحة انتصار القانون وعدالة المقاطعة الرومانيّة العريقة. زُجَّ بهما في السجن وقُيِّدَت أرجلهما في مقطرةٍ كأعتَى المجرمين والمُتَمَرِّدين على روما العظمَى.

موقفٌ آخرٌ نقرأ عنه في سفر الأعمال وفي الأصحاح (19: 24-27) عن ديمتريوس الصائغ الذي كان يَمْتَهِن صناعة الآلهة من الفضَّة وذلك لأرطاميس الشهيرة بين آلهة روما القديمة. حينما بدأت البشارة بالـ ”طريق“؛ أي يسوع المسيح - هكذا كانت تسمّى المسيحيّة في طورها الأوّل - جَمَعَ ديمتريوس كُلَّ المتربّحين من صناعة الآلهة وقال لهم:

أَيُّهَا الرِّجَالُ أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ سِعَتَنَا إِنَّمَا هِيَ مِنْ هذِهِ الصِّنَاعَةِ. وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ وَتَسْمَعُونَ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَفَسُسَ فَقَطْ، بَلْ مِنْ جَمِيعِ أَسِيَّا تَقْرِيبًا، اسْتَمَالَ وَأَزَاغَ بُولُسُ هذَا جَمْعًا كَثِيرًا قَائِلاً: إِنَّ الَّتِي تُصْنَعُ بِالأَيَادِي لَيْسَتْ آلِهَةً. فَلَيْسَ نَصِيبُنَا هذَا وَحْدَهُ فِي خَطَرٍ مِنْ أَنْ يَحْصُلَ فِي إِهَانَةٍ، بَلْ أَيْضًا هَيْكَلُ أَرْطَامِيسَ، الإِلهَةِ الْعَظِيمَةِ، أَنْ يُحْسَبَ لاَ شَيْءَ، وَأَنْ سَوْفَ تُهْدَمُ عَظَمَتُهَا، هِيَ الَّتِي يَعْبُدُهَا جَمِيعُ أَسِيَّا وَالْمَسْكُونَةِ.

فما كان من تلك الزُمْرَة المُجْتَمِعَة إلاّ أنْ اندفعت خوفًا على مصالحها، ونزلت إلى شوارع المدينة مُكَبِّرةً: ”عظيمة هي أرطاميس الأفسّسين“، لتستدعي الغيرة القوميّة على فخر أفسس العريقة، وتنثُر الشائعات في القلوب المهيّئة للدفاع عن الآلهة المُنْتَهَكَة والمدينة التي على وشك الخراب بسبب هذا التعليم الجديد عن الـ ”طريق“. حدث شغبٌ ليس بقليلٍ، وتم اختطاف اثنين من رجال بولس - هكذا كانوا ينظرون إليهم - وهما غايوس وأرسترخس في دفقة الغضب الهوجاء.

ما أريد أنْ أتوقَّف عنده في هاتين الحادثتين - على سبيل المثال لا الحصر - هو أنّ المناداة بالحريَّة للمأسور التي هي من علامات ملكوت الله الآتي بقوّة على عالمنا الإنساني يؤثِّر على الكثير من المصالح السياسيّة والاقتصاديّة، وأحيانًا الدينيّة.

في القرن الثاني المسيحي كانت هناك مراسلات ما بين بليني Pliny والي بيثينيّة الصغرى، وبين تراجان Trajan الإمبراطور الروماني؛ يتناقشان فيها حول كيفيّة التعامل مع المسيحيين، إلاّ أنّ اللاّفت للنظر هو أنّ الإشكالية الكبرى كانت تَتَمَثَّل في تَضَجُّر صانعي التماثيل من ركودِ تجارتهم بسبب نمو المسيحيَّة وامتدادها وانتشارها. نَقَلَ الصُنَّاع والتُّجار شكواهم لبليني من الكساد الذي تسبَّبت فيه مُعْتَقَدَات المسيحيّين، ممّا جعله يستشعر بالخطر؛ فحينما يتأثّر الاقتصاد قد تنفجر ثورةٌ من قِبَل أولئك الذين كانوا يتربّحون من تلك التجارة.

نعم، ملكوت الله قد يؤثِّر على الاقتصاد المبني على البُطْل، لذا تأتي السهام مُحَمَّاة بنيران الغضب الشديد على ملكوتٍ يؤثِّر على تجارةٍ مستقرةٍ ومتناميةٍ!

أتذكّر أحد الخدّام، الذين أرادوا أن يخدموا الفتيات اللواتي تم اقتيادهن إلى بيع أجسادهن في تجارة الرقيق الأبيض، أنّه تعرّض لملاحقة أولئك الذين كانوا يتكسّبون من تلك الفتيات، وقد تم تهديده بالقتل! نعم، ملكوت الله خطر على تجارتهم إن نالت تلك الفتيات حرّيتها.  

إنّ العالم الذي نحياه الآن هو مجتمع طبقي بامتياز .. إنّه عالم يُكَرِّس ويُشَرِّع ويُبَرِّر ويَدْعَم ويُؤَسِّس لمفهوم الطبقيَّة! لذا فإنّ ملكوت الله خطرٌ على هذا البُنيان الذي يرفع العالم كلّ يوم جدرانه ليعزل البشر في طبقات منقسمة متنافرة متنابذة حاقدة؛ الرجل والمرأة، الغنى والفقير، الصحيح وذو الإعاقة، الأبيض والملوّن، الديني واللاّديني ... إلخ، هي طبقاتٌ نجدها في المجتمعات حتى المُتَقَدِّمة (وإن كان بنسب مختلفة)! يبدو أنّ المصالح السياسيّة والاقتصادية تستلزم تكريس هذا الفصل بين البشر! لقد كتب القديس بولس: ”لَيْسَ يُونَانِيٌّ وَيَهُودِيٌّ، خِتَانٌ وَغُرْلَةٌ، بَرْبَرِيٌّ سِكِّيثِيٌّ، عَبْدٌ حُرٌّ، بَلِ الْمَسِيحُ الْكُلُّ وَفِي الْكُلِّ“ (كو3: 11)، وأيضًا؛ ”لَيْسَ يَهُودِيٌّ وَلاَ يُونَانِيٌّ. لَيْسَ عَبْدٌ وَلاَ حُرٌّ. لَيْسَ ذَكَرٌ وَأُنْثَى، لأَنَّكُمْ جَمِيعاً وَاحِدٌ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ“ (غل3: 28). إنّ كلمات كتلك التي أطلقها القديس بولس على هذا الجدار العازل بين البشر يجب أنْ يُقاومها العالم ويَحْرِص كلّ الحِرْص ألاَّ تستقر في القلوب والعقول؛ لئلا تتحوَّل إلى قناعات وسلوكيات تُهَدِّد المصالح السياسيّة والاقتصاديّة. بالتأكيد، لا يلغي القديس بولس التمايز الواقعي، ولكنّه يقاوم هذا النزوع الإنساني لتحويل التمايز الإيجابي إلى طبقيّة متناحرة يَسْتَغِل فيها الأقوى الأضعف وسط سكوت وسكون من المجتمع الخانع!!

لم يكن الأمر جديدًا، فحينما همّ الشعب اليهودي قديمًا ببناء الهيكل واستعادة بهاء أورشليم، كُتبت شكاية للملك عن يد سكّان السامرة مهدّدين فيها الملك أنّه إن تم بناء هذه المدينة العاصية (أورشليم) سيتأثّر اقتصاد المملكة، إذ نقرأ في سفر عزرا (4: 13- 16):

لِيَكُنِ الآنَ مَعْلُومًا لَدَى الْمَلِكِ أَنَّهُ إِذَا بُنِيَتْ هذِهِ الْمَدِينَةُ وَأُكْمِلَتْ أَسْوَارُهَا لاَ يُؤَدُّونَ جِزْيَةً وَلاَ خَرَاجًا وَلاَ خِفَارَةً، فَأَخِيرًا تَضُرُّ الْمُلُوكَ. وَالآنَ بِمَا إِنَّنَا نَأْكُلُ مِلْحَ دَارِ الْمَلِكِ، وَلاَ يَلِيقُ بِنَا أَنْ نَرَى ضَرَرَ الْمَلِكِ، لِذلِكَ أَرْسَلْنَا فَأَعْلَمْنَا الْمَلِكَ، لِكَيْ يُفَتَّشَ فِي سِفْرِ أَخْبَارِ آبَائِكَ، فَتَجِدَ فِي سِفْرِ الأَخْبَارِ وَتَعْلَمَ أَنَّ هذِهِ الْمَدِينَةَ مَدِينَةٌ عَاصِيَةٌ وَمُضِرَّةٌ لِلْمُلُوكِ وَالْبِلاَدِ، وَقَدْ عَمِلُوا عِصْيَانًا فِي وَسَطِهَا مُنْذُ الأَيَّامِ الْقَدِيمَةِ، لِذلِكَ أُخْرِبَتْ هذِهِ الْمَدِينَةُ. وَنَحْنُ نُعْلِمُ الْمَلِكَ أَنَّهُ إِذَا بُنِيَتْ هذِهِ الْمَدِينَةُ وَأُكْمِلَتْ أَسْوَارُهَا لاَ يَكُونُ لَكَ عِنْدَ ذلِكَ نَصِيبٌ فِي عَبْرِ النَّهْرِ.

كانت النتيجة أنّ الملك استصدر أمرًا بإيقاف البناء وقال: ˮلِمَاذَا يَكْثُرُ الضَّرَرُ لِخَسَارَةِ الْمُلُوكِ؟“ (عز4: 22). ولكن المخطّط الإلهي لن يتوقّف وإن حاوطته الشكايات من كلّ صوب وحدب.

لقد استطاع الشيطان أنْ يَصْنَع عبر العصور شبكةً من العلاقات المُتَدَاخِلة والمترابِطة ما بين الاقتصاد والسياسة والمفاهيم والأفكار المُضِلَّة. إنّ كَشْف الضلال يستجلب عداء كلّ تلك القوى لحماية مصالحهم. قد لا تعني لهم الأفكار شيئًا، ولكن تأثير الأفكار على المصالح والسياسات والاقتصاد والهيمنة الشخصيّة على الجموع هو ما يدفعهم للانتفاض. بالتأكيد لن يكون السبب المُعْلَن هو تأثُّر المصالح ولكن سيتم صياغة تُهَم تَمِس الإيمان والعادات والتقاليد المرعيّة واللُّحمة بين أبناء البلدة الواحدة والجماعة الواحدة كما حدث مع بولس وسيلا: ”هذَانِ الرَّجُلاَنِ يُبَلْبِلاَنِ مَدِينَتَنَا، وَهُمَا يَهُودِيَّانِ، وَيُنَادِيَانِ بِعَوَائِدَ لاَ يَجُوزُ لَنَا أَنْ نَقْبَلَهَا وَلاَ نَعْمَلَ بِهَا، إِذْ نَحْنُ رُومَانِيُّونَ“ (أع16: 20-21).

كانت تلك هي تهمة يسوع إذ إنّ النور الذي أَطْلَقَهُ قَضَّ مَضاجع قَادة اليهود الذين شعروا أنّ قُوَّة سلطتهم على الجموع تتراجع وأنَّ الكلّ بدأ يذهب وراءه؛ ”فَقَالَ الْفَرِّيسِيُّونَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: انْظُرُوا! إِنَّكُمْ لاَ تَنْفَعُونَ شَيْئاً! هُوَذَا الْعَالَمُ قَدْ ذَهَبَ وَرَاءَهُ!“ (يو12: 19).

 كان يجب أنْ يُصْلَب يسوع ليستعيدوا سُلطتهم على الجموع!

كان يجب أنْ يُسْجَن بولس ليتعافَى اقتصاد صناعة الآلهة!

ولكن النور لا يمكن إلاّ أنْ يُضِيء، وإنْ سَمَّروا الجسد على صليبٍ لئلا يجول يصنع خيرًا!

نعم النور يسري كالنارِ في الهشيم،

وإن كان الجسدُ مُسَمَّرًا،

وإن كانت الأبدان المُنْهَكَة مُلْقَاة في غياهب السِّجن

والأرجل مُقَيَّدة في مقطرةٍ ..

النورُ حُريّةٌ

لا يمكن لقوّةٍ ما أنْ تُقَيِّدها أو تَحِدَّها أو تُبْكِمهما

أو تلاحقها ...

وذلك ببساطة لأنّ الله نورٌ ...

من ذا الذي يستطيع أن يحاصر الإله!!