حوار على قارعة الطريق


حينما سُئِلَ القديس أنطونيوس من أحد تلاميذه عمّا يمكن أن يقوم به لكي يدخل الفرح والرضى إلى قلب الله، أجاب:

أينما كنت، فلتضع الله نصب عينيك، وإنّ أردت أن تقوم بعملٍ ما، من الضروري أن يكون لديك شاهدٌ من الكتب المُقَدَّسة عن هذا الأمر، وفي أي مكانٍ تَسْكُن فيه عليك ألاّ تترك هذا المكان بسهولةٍ.

لكي نتحرّك في حياتنا المسيحيّة وفق شهادة الكتب المقدّسة من الضروري أن نتدرّب على استقبال الرسالة الإلهيّة بشكل جيّد؛ لئلاّ نتحوّل عن البحث الصادق حول الشهادة لمسيرتنا من الكتب المقدسة إلى البحث عمّا يوافق هوانا في الكتب المُقَدَّسة لنسير في الطريق الذي نرغب فيه!

ولكن، كيف يمكننا أن نستوعب الرسالة الإلهيّة؟ سيكون هذا محور الحوار التالي ..

كنت أسير برفقة صديق عزيزٍ مساءً في هدوء اللّيل وسط بقعةٍ خضراء تمنحنا تلك المساحة الكافية من التأمُّل. كنّا نتجاذب أطراف الحديث حول عدّة أمور، منها؛ حدود العطاء، معنى الملكوت، أشكال الدعوة، قيمة الحياة، وغيرها من الموضوعات ذات الصلة. وإذ بامرأة في العقد الخامس أو السادس من عمرها على الأرجح تشير لنا أن نقترب. لم نفهم الأمر في البداية. اقتربنا. كانت تجلس برفقة بناتها الثلاثة في العربة. يبدو أنّهم كانوا ينتظرون شخصًا أو شيئًا.

سألتني بنبرة حاسمة، وبنظرة مليئة بالتوجُّس:

  • لماذا ترتدي تلك الملابس؟

  • أجبت، بابتسامة معتادة تخرج بشكل عفوي مع الردّ على هذا السؤال المتكرّر في بلاد الغرب: أنا كاهن قبطي أرثوذكسي من مصر.

  • هل أنت مسيحي؟

  • ازدادت الابتسامة لأنّه من المألوف حينما أذكر مصر لا يتوقّف البعض حول كلمة كاهن وأتلقَّى نفس السؤال. أجبتها: نعم، أنا مسيحي ...

  • هل تؤمن بيسوع كمخلِّص شخصي لك؟

  • بدأت أستوعب من هذا السؤال خلفيتها. أجبتها: بالتأكيد يسوع هو مخلصي ...

  • وإذ بها تقول: يقول بولس في  (1كو11: 7)؛ ˮفَإِنَّ الرَّجُلَ لاَ يَنْبَغِي أَنْ يُغَطِّيَ رَأْسَهُ لِكَوْنِهِ صُورَةَ اللهِ وَمَجْدَهُ.“ ألا تطيع الإنجيل؟! هل تؤمن بأن الإنجيل هو كلمة الله؟

  • أجبت: بنعم، على السؤال الثاني ... الإنجيل هو كلمة الله الحيّة ... وقبل أن أجيب على السؤال الأوّل، إذ بها تقاطعني وتقول:

  • هل تؤمن بالعهد القديم والعهد الجديد معًا؟

  • ابتسمت كالعادة، وقلت: نعم ... فأنا مسيحي!!

  • سَأَلَت: فلماذا إذًا لا تُطيع الكتاب المقدس وتضع شيئًا على رأسك؟ (تقصد القلنسوة الرهبانيّة بالطبع).

  • أجبتها: علينا أن نفهم المكتوب، لا أن نقتبس فقرة ونحاول تطبيقها بدون فهم ... الفهم يمكننا من التعامل مع كلمة الله ككلمة حيّة لها صلّة بواقع الإنسان في كلّ مكان، لا ككلمة جافة من الماضي مُسَلَّطة على الرِقاب.

  • قالت: ولكن، الإنجيل صريح وواضح في هذا الأمر ... يجب أن نطيع الكتاب المقدس.

  • شعرت أنَّ عليَّ أن أبدأ عملاً تفسيريًّا على قارعة الطريق في المساء مع شخص يبدو لي أنّه لم يعتد على التفسير، ولكنه يقفز إلى النصّ مباشرة، وخاصّة تلك النصوص التي يبدو لي أنّها تحفظها عن ظهر قلب، فهي أشبة بقانون إيمان في كنيستها تقيس به مقدار مسيحيّة من أمامها. أسئلتها كانت سريعة، متتاليّة، ومحفوظة وكأنّها مبرمجة للتفكير بشكل معيّن، والتساؤل في نقاط محدّدة. كان عالمها يدور في تلك الدائرة من التساؤلات!

  • فَكَّرت؛ هل يمكن أن أبدأ بشرح معنى السياق الثقافي واللّغوي، والمعنى التاريخيّ، والفرق بين المعنى المركزي المتضمن في الرّسالة النصيّة وبين التطبيق والذي يمكن أن يتباين من مكان لآخر ومن موقف لآخر. شعرت أنّه سيكون من الصعب أن أستعرض علم التفسير وتطبيقاته المختلفة في هذا الوقت المقتضب!

  • سألتها: إذًا أنتِ تؤمنين أنّ كلّ حرف في الكتاب المقدّس يجب أن نطبّقه بشكلٍ حرفيٍّ؟

  • أجابت: نعم، علينا أن نطيع ما يقوله الكتاب المقدّس.

  • قلت: حسنًا، ما رأيك فيما كتبه القديس بولس في (1تي2: 9) أنّه لا يجب على النّساء أن يزين أنفسهن بالضفائر والذهب والملابس الكثيرة الثمن.

  • سألتها: هل ترتدين ذهبًا، وهل تعتبرين ضفائر الشعر خطيّة وتعديًّا على الكتاب المقدّس؟

  • أجابت: لقد كتب بولس هذا الأمر لكيما يعلّمنا أن يكون يسوع لدينا أثمن شيءٍ و...

  • استوقفتها: عذرًا، ولكن هذا ليس النصّ!! هذا فهمك للنصّ ...

  • قالت: ولكن المعنى هو هذا ...

  • قلت: ولماذا في هذا الموقف بدأتِ التفكير في المعنى بالرغم من وضوح النصّ لمن يؤمن بالحرفيّة الكتابيّة؟ في بعض الكنائس الأمريكيّة بالفعل نجد أنّ الحرفيين بدأوا يمنعون السيّدات من التحلّي بالذهب أو ضفر الشعر!

    أضفت: عدم تطبيقك للنصّ كما هو يشير إلى أنّ ذهنك بدأ يفكّر بمنطق التفسير لا بمنطق الحرف. إذًا هناك عمل تفسيري .. هناك معنى في النصّ، علينا على الدوام أن نحاول فهمه ولا نغلق أفهامنا عنه أو أمامه، ونميل للتمسُّك المريح والمباشر بحرفِ النصّ ...

  • صمتت ... وكأنّها لم تفكّر في هذا الأمر من قبل!

  • ولكنّها سريعًا انتقلت إلى موضوعٍ آخر، وسألت: بماذا يناديك من حولك في مصر؟

  • أجبت، وأنا أعلم هدف السؤال ووجهته: يناودنني ˮأبونا“...

  • قالت بحماسة كمن وجد ضالته المنشودة: ˮولكن يسوع قال في (مت23: 9): ”وَلاَ تَدْعُوا لَكُمْ أَباً عَلَى الأَرْضِ لأَنَّ أَبَاكُمْ وَاحِدٌ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ.“

  • قلت: حسنًا، وماذا تنادين والدك في المنزل؟ ونَظَرْتُ لبناتها، وسألتهن: بماذا تنادين أباكن في المنزل؟

  • قالت دون أن تجيب على السؤال: ولكن هناك فارقًا بين الأب السمائي والأب الأرضي ...

  • قلت: عذرًا، هذا ليس الوارد في النصّ! النصّ يقول: ”وَلاَ تَدْعُوا لَكُمْ أَبًا عَلَى الأَرْضِ، لأَنَّ أَبَاكُمْ وَاحِدٌ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ“ (مت9: 23). من الواضح أنّ القراءة الحرفيّة ستلغي تلك المناداة من القاموس الإنساني لتقصره على القاموس الإلهي فقط.

  • ما يؤكِّد أنّ الفهم هنا ليس حرفيًّا، كلمات القديس بولس في رسالته الأولى إلى أهل كورنثوس، إذ يكتب: ”لأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ لَكُمْ رَبَوَاتٌ مِنَ الْمُرْشِدِينَ فِي الْمَسِيحِ، لكِنْ لَيْسَ آبَاءٌ كَثِيرُونَ. لأَنِّي أَنَا وَلَدْتُكُمْ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ بِالإِنْجِيلِ“ (1كو4: 15). من الواضح أنّ القديس بولس ههنا ينتقل إلى مفهوم الولادة الروحيّة من قبل المُبَشِّر؛ لذا فهو أب روحي لأنّه نَقَلَ كلمة الحياة لأولئك الجائعين للحياة، فوُلِدُوا للحياة الأبديّة. لذا، إن كنّا سنحافظ على حرفيّة النصّ، فإنّ أي مناداة لأي شخص بكلمة أبي من قبل أي مسيحي هي خيانة للإنجيل، وعدم طاعة للوصيّة، وعدم خضوع للكلمة!

  • قالت: ولكن مفهوم أنّ النصّ يتكلّم عن الأب السمائي...

  • قلت: إنّ تعبير ˮمفهوم من النصّ“ يختلف عن ˮيقول النصّ“. علينا اتباع منهج واحد فقط؛ إمّا التعامل الحرفي مع النصوص، وإمّا محاولة فهم ماذا تقول النصوص، والتي أحيانًا ما يتطابق فيها المعنى مع منطوق الكلام الحرفي، وأحيانًا ما يكون هناك معنى ورسالة ضمنيّة من الكلام، وهي المحور الذي يجب أن نبدأ في الوقوف عليه وتلمُّس ملامحه من أجل حياة تُعَبِّر عن طاعة حقيقيّة لكلمة الله.

  • صمتت مجددًا ... ولكن ملامحها كانت جامدة ...

  • كالمعتاد انتقلت إلى موضوع آخر سريعًا، وسألتني: هل تؤمن بالكريسماس؟ لم أفهم السؤال في بداية الأمر، ولكن بإعادة الشرح، استوعبت أنّ الكريسماس في أمريكا أصبح احتفاليّة مجتمعيّة أكثر من كونها الاحتفال بيسوع المولود في العالم.

  • أجبت: نعم، وفي الواقع، نحن في الكنيسة نقضي الليل في الصلاة احتفالاً بالطفل المولود ممجدين عظمة الله ورحمته وتحنّنه على جنس البشر ...

  • قالت: هللويا ... مجدًا للربّ ...

  • ابتسمت ...

  • سألتني: هل تؤمن بالتكلّم بألسنة؟

  • سألتها: هل يمكنني أن أسألك عن الكنيسة التي تنتمين لها؟

  • أجابت: أنا من كنيسة الروح القدس Pentecostal

  • استوعبت دلالة السؤال لديها. قلت: نحن نعرف من الكتاب المقدّس بالتأكيد أنّ هناك نوعين من التكلّم بألسنة كما ورد في سفر الأعمال (2: 4) ورسالة القديس بولس الأولى إلى أهل كورنثوس (14) ...

  • سألتني: هل تتكلّم بألسنة؟

  • أجبت: كلاّ .. أنا لا أتكلّم بألسنة ...

  • قالت: ولكن يجب على كلّ مسيحي أن يتكلّم بالألسنة؛ لأن تلك هي عطيّة الروح القدس في يوم الخمسين ويجب أن نطلبها كلّ وقت ... وهي معيار للمسيحي الحقيقي ...

  • قلت: إنّ عطيّة الروح القدس يوم الخمسين كانت النوع الأوّل، وإن كنت قد استوعبت كلامك بشكل صحيح، فأنت تتحدثين عن طلب النوع الثاني، أليس كذلك؟

  • صمتت!!

  • شعرت أنّها تتحدّث عن الثانية وتستدل على الأولى في الكلام ... ولكن لم أرد أن أشعرها بعدم الرّاحة في الحوار، لذا مَرَّرت الأمر دون أن أشير إلى أنّ الاقتباس يجب أن يكون موافقًا للفكرة المطروحة ...

  • استطردت: لا بأس، دعينا نفكّر في الأمر من زاوية أخرى...

  • صمتت، منتظرة ...

  • قلت: بالتأكيد المواهب مهمّة للجسد المسيحي لخدمة الشهادة لملكوت الله في العالم، ولكن، هل يجب أن أفرض على الله أن يعطيني أمرًا ما أنا أرغب به، أم أترك له قيادة حياتي ليعطيني ما يراه هو مناسب لحياتي ولدوري في جسده؟

  • قالت: ولكن الرسول يقول إنّه علينا أن نطلب المواهب (1كو12: 31) ...

  • قلت: ولكن ليس هذا الردّ على تساؤلي! أنا لم أتحدث عن طلب المواهب أو رفض المواهب، ولكني أتحدّث عن أن أترك لله تحديد ما يعطيني إياه من المواهب. إن ألححت في طلب التكلّم بألسنة، كما تريدين، فإنّ هذا يعني أنّي أنا الإله، وأني أدرك ما هو مفيد لمسيرتي الروحيّة، وأني أعلم ما هو مناسب لجسده الممتد في كلّ مكان!!

  • علينا أن نتذكّر على الدوام أننا نحن البشر، وأنّه هو الله، وعلى البشر أن يقولوا: لتكن مشيئتك، وأن يقولوا: هأنذا، وأن يقولوا: أفعل ما يحسن في عينيك، لا أن يقولوا لله: يجب أن تعطيني هذا الأمر أو ذاك ...

  • طلب النعم والمواهب بشكل عام يجب أن يكون مرتبطًا باستخدامها لمجده. إن طلبت موهبة بذاتي ولذاتي ستنتج تلك الموهبة التي هي للحياة، موتًا!!

  • وقتها تذكرت كلمات أمبروسيوس في كتابه عن الروح القدس (2: 13/150)، إذ كتب: ˮليس الجميع لديهم موهبة الشفاء، وليس الجميع لديهم موهبة التكلّم بألسنة. إنّ العطايا الإلهيّة المتنوّعة للغاية لا يمكن أن تتواجد في فردٍ بعينه. فكلّ مؤمن يحصل من المواهب على حسب  قدرته / قدرتها على استقبال تلك العطيّة.“

  • صمتت لبرهة، وأدركت ما أردت توضيحه في هذه النقطة.. ثمّ انتقلت للسؤال التالي والتالي والتالي ...

  • في آخر الحوار، شَعَرْتُ أنّها بدأت تصدّق أني مسيحي! بالرغم من اختلافي عن مفهومها في التعامل مع كلمة الله. في نهاية الحديث، وجدت ابنتيها تطلبان منّي الصلاة بحرارة من أجلهن ومن أجل أزواجهن. وكلما هممت بالرحيل، أجدهما تسألانني هل ستصلي من أجلنا، وهل تتذكّر أسماءنا؟ كرّرت الأسماء أكثر من مرّة حتى تطمئنا لاهتمامي ..

  • وفي النهاية، طلبن لي البركة، وباركتهن، وانصرفنا، وأنا أفكّر كثيرًا في الحوار، وبدأت أتذكّر مقولة القديس إيريناؤس ˮإنّ الكتاب ليس بقراءته ولكن بفهمه“.

˜

  • أعتقد أنّ موقف المسيح من التعامل مع المكتوب في التجربة على الجبل يُوَضِّح الكثير من الأمور. بحسب إنجيل القديس متى (4: 1-11) كانت التجربة الأولى معتمدة في نجاحها على الجهل بالمكتوب (تجربة الخبز)؛ إذ لم يورد إبليس نصًّا، بينما كانت التجربة الثانية معتمدة في نجاحها على الجهل بفهم المقصود من المكتوب (تجربة السقوط من على جناح الهيكل)؛ إذ قدّم إبليس نصًّا من سفر المزامير 91: 11-12. كان ردّ يسوع في كلّ مرة ينطلق من المكتوب؛ المكتوب الأوّل، في إجابة يسوع، يوضِّح أنّه يَعْلَم المكتوب؛ لذا لا يمكن أن يُخدع نتيجة الجهل بالمكتوب، والمكتوب الثاني، في ردّ يسوع، يوضِّح أنّه يفهم المكتوب، ويفهم السياق، ويفهم الترابط العضوي بين المكتوب، لذا لا يمكن أن يُخدع نتيجة الجهل بمعنى المكتوب.

دون أن نفهم رسالة الإنجيل، نبقَى في تخبُّط الحرف الذي لا يقدر أن يُحيي. من يُحيي هو الروح العامل في الحرف لحياة في ملء النعمة. الاكتفاء بالحرف والاقتصار على الحرف وعدم ربط الحرف بالحرف من خلال قيادة الروح الشخصي / الكنسي يحمل خطورة قد ينتج عنها الوصول لنتائج بعيدة كلّ البعد عن المقصود من المكتوب. وفي الكثير من الأحيان حينما تشيع قراءة الحرف بين الكثيرين ويبطل عمل الروح في العقل، يصير الإنسان مُبَرْمجًا للتفكير بشكلٍ أحاديٍّ. يفقد الإنسان إنسانيته .. يفقد تميّزه كونه على صورة الله ومثاله .. يفقد ديناميكيّة تدخُّل الروح وعمله في حياته، والذي يقوده كشخص حيّ من خلال المكتوب. الحرف يقتل بينما الروح يحيي؛ هكذا علّمنا المخلِّص، وحذرنا في الوقت ذاته.