رأوه ولكن!!


من الأمور التي يَطْمَح فيها الكثيرون هي أنْ يروا. كثيرٌ من الناس يُهَمْهِمون بينهم وبين ذواتهم: ليتني رأيت الربّ يسوع! مجرّد رؤيته كانت كفيلة بإضرام شوقٍ قد خَمَدَ بسببٍ من العمَى الذي ينتابني لأني لم أرى ملامحه الآسرة. إنّ مُحَياه الوديع الهادئ كان ليجتذبني رغمًا عني إليه. كم كنت أود أنْ تُنْزَع مني حريّة الابتعاد عنه، ليته يمارس سلطانًا إلهيًّا عاتيًا ليُقَرِّبني إليه ولو عُنوة .. آه .. فقط لو كنت رأيته!!!

إنّ تلك الهَمْهَمات الدفينة والهَمَسَات الداخليّة التي تعتري النَفْس من ألمِ افتراقها عن الله بالرغم من إدراكها لحاجتها إليه، تُعَبِّر عن رغبةٍ عارمةٍ ولكنّها مشوبةٌ بتصوُّرٍ غير منضبط.

إنّ الرؤية لم تكن يومًا كفيلة بتحويل كلّ البشر في كلّ الأوقات نحو الله. في مواجهة الله كانت الجموع تمارس حريتها في رفض أو قبول لُغة عينية الرقيقة. هناك مَنْ تأسره نظرة المُخلِّص في بادئ الأمر، إلاّ أنّه بعد أنْ يعتاد الوجود حوله، أو بالأحرى في دائرة المخاطبين إياه والمتحدِّثين عنه، يعود مجددًا إلى رفقة إنسانه العتيق المُتَلَهِّف للقبض على النفس التي تفلَّتت منه قبلاً.

هناك مَنْ جثا أمام الربّ يسوع من فرط الشوق (الشاب الغني). كان يتلمَّس الحياة الأبديّة، ويُدَقِّق في اتّباع أساسيات النّاموس. لم ينقصه الشوق ولا الإخلاص. لقد أحبّه الربّ يسوع لأنّ قلبه كان حيًّا بالفعل وممتلئًا باللّهفة المقدَّسة. إلاّ أنّ الربّ يسوع أشار له إلى أنّ هناك أمرٌ ناقصٌ ألاَ وهو التحرُّر ممّا يتملَّكه (التحرُّر ممّا يمتلكه). الميراث الأبدي هو ميراث الأحرار لا العبيد. بيدْ أنّ قوّة الارتباط بما يَمْلُك كانت أقوى من قوّة تأثير حضور ومحبّة ودعوة المسيح. مَاَلَ ميزان القرار لديه نحو القيد الذهبي بدلاً من أجنحة الروح. وفي آخر الأمر مضَى حزينًا يَجُرُّ أذيال الخيبة لأنّ المُخَلِّص أشار لموطن الوجع لأنّ من هناك تبدأ إطلالات الحريّة. لقد أراد الشّاب إجابة على سؤاله، إجابة تحمل موائمةً ما من المُعَلِّم القادر أنْ يُوجِد حلولاً أخرى سوى التبعيّة - التي يسميها بونهويفر Bonhoeffer - (في كتابه: ثمن التبعيّة) - ”التبعيّة المكلّفة“ - لأنّها تستلزم قرارًا جادًا مباشرًا، إلاّ أنّ الربّ يسوع لم يُقَدِّم له سوى الحقيقة والدّعوة والمرتبطة بخيطٍ لا ينفصم بضرورة الحركة والطاعة والخضوع.

”وَفِيمَا هُوَ خَارِجٌ إِلَى الطَّرِيقِ رَكَضَ وَاحِدٌ وَجَثَا لَهُ وَسَأَلَهُ: أَيُّهَا الْمُعَلِّمُ الصَّالِحُ مَاذَا أَعْمَلُ لأَرِثَ الْحَيَاةَ الأَبَدِيَّةَ؟. فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: لِمَاذَا تَدْعُونِي صَالِحاً؟ لَيْسَ أَحَدٌ صَالِحاً إلاَّ وَاحِدٌ وَهُوَ اللَّهُ. أَنْتَ تَعْرِفُ الْوَصَايَا: لاَ تَزْنِ. لاَ تَقْتُلْ. لاَ تَسْرِقْ. لاَ تَشْهَدْ بِالزُّورِ. لاَ تَسْلِبْ. أَكْرِمْ أَبَاكَ وَأُمَّكَ. فَأَجَابَ: يَا مُعَلِّمُ هَذِهِ كُلُّهَا حَفِظْتُهَا مُنْذُ حَدَاثَتِي. فَنَظَرَ إِلَيْهِ يَسُوعُ وَأَحَبَّهُ وَقَالَ لَهُ: يُعْوِزُكَ شَيْءٌ وَاحِدٌ. اذْهَبْ بِعْ كُلَّ مَا لَكَ وَأَعْطِ الْفُقَرَاءَ فَيَكُونَ لَكَ كَنْزٌ فِي السَّمَاءِ وَتَعَالَ اتْبَعْنِي حَامِلاً الصَّلِيبَ. فَاغْتَمَّ عَلَى الْقَوْلِ وَمَضَى حَزِينًا لأَنَّهُ كَانَ ذَا أَمْوَالٍ كَثِيرَةٍ.“ (مر10: 7-17).

لم تكن رؤيته للربّ بل ومحبّته كافية لتغيير حياته إذ أنّ القَيْدَ كان ضاربًا بجذوره في القلب من الداخل.

هناك مَنْ رأى المخلِّص إلاّ أنّه رأى فيه شيطانًا يخرج الشياطين! وألمحَ في خبثٍ إلى أنّ القوّة المُقَدَّسة الشافية ليست إلاّ أدوارًا مُوزَّعة في مملكة الظلمة لضلال البّشر! هؤلاء رأوه ولكنّهم ألبسوه من رداء أفكارهم ثوبًا من الرّفض ليَأمَنوا من قوّة تأثيره عليهم وعلى الجموع. إنْ كان ما يقوله ويفعله حقيقةً فإنّ لهذا عواقب وخيمة، لذا يجب ألاَّ يكون الأمر إلهيًّا لئلاَّ نُعيره آذانًا وقلوبًا قد تتحوَّل وتتغيَّر وتبتعد بعيدًا عن ميراث مئات السنوات من التعاليم المتراكمة والتقاليد الحاخاميّة المُحْكَمة والنضال اليهودي الدموي. هؤلاء رأوه ... ولكنّهم أغمضوا عيونَهم ليروا مصالحهم أولاً وقبل أي شيءٍ آخر .. هذا أمرٌ مفهومٌ؛ فالربّ يسوع خطرٌ للغاية على كلّ أوهام البشر. هو قادرٌ أنْ يقلب الحياة رأسًا على عقب.  

”وَأَمَّا قَوْمٌ مِنْهُمْ فَقَالُوا: بِبَعْلَزَبُولَ رَئِيسِ الشَّيَاطِينِ يُخْرِجُ الشَّيَاطِينَ“ (لو11: 15)

عن ردّة فعل الربّ يسوع حيال هذا الأمر، كَتَبَ القّديس يوحنّا الذهبي الفم (في العظة الأولى من مؤلَّفه ”في أنّ الله لا يمكن إدراكه“) قائلاً: ”عندما اتُّهِمَ [الربّ يسوع] بأنّ به مسًّا من الشيطان، لم يَصْرَع شاتميه، ولم يَسْحَقهم، ولم يحرِق لسانهم المُتَجاسِر والمعتوه بالرّغم من اقتداره على ذلك. لقد اكتفَى بردّ الاتّهام عن نفسه قائلاً: لا، ليس بي شيطان، وإنّما أُكرِم الذي أرسلني.“

إلاّ أنّ وَصفْ الكاتب الفرنسي فيكتور هوجو لمَسْلَك الربّ يسوع كان ثاقبًا حينما كتب عبارةً تلخِّص الكثير، إذ قال: ”إنّ بوسعه أنْ يَصْعَق، ولكنّه يؤثر أنْ يُحِبّ.“

هناك مَنْ عَبَرَ بجوار الربّ يسوع فَصَنَّفه كسامريٍّ من الخوارج عن الإيمان اليهودي المستقيم، ليَأمَن أيضًا من تأثير كلماتِه المُمتلئة بالحياة؛ فهي صادرةٌ عن شخصٍ له انتماءات سامريّة جليّة في تعاملاته وأمثلته ومواقفه المُتَّسعة لهم. يكفي أنْ تقول ليهودي وطني يؤمن بالعرقيّة اليهوديّة النقيّة المتمايزة والمتميّزة أنّ يسوع سامريٌّ ليَكُف عن الاستماع له مهمّا كان عِظَمَ ما يقول!!

هناك مَنْ لم يَأْبَه لدعوة الربّ لانشغاله بيومه المعتاد؛ زوجته وأولاده وعمله وتجارته ودراساته وأحلامه وعلاقاته! اختنقت الدّعوة وخَفُتَ صدى صوت الربّ المُزلزل في هموم العالم، فلم يبقَى سوى صدًى باهت يسمعه بالكاد .. يدور في فَلَكِ الحيرة الدّائمة ليل نهار إذ يريد أنْ يَهَتّموا بما للعالم وما للربّ في آنٍ واحدٍ!!

هناك مَنْ ذبح شوقه حينما مَال نحو يسوع في بادئ الأمر، إلاّ أنّه رأى فيه خطرًا على أمانه الذاتي وسُمعته بين أقرانه! فهناك الآلاف من النيقوديموسيين ممّن يتردّدون في لقائه فيدلفون إليه ليلاً لئلا يراهم أحدٌ (انظر يو3). ولكن الحياة ستمرُّ وهم مازالوا يرزحون تحت سلطة الخوف من المحيطين!!

هناك مَنْ تأفَّف منه إذ خالط عشارين وخطاة!

هناك مَنْ وجد أنّه يطالبه بما لا يرغب به، فعانق رغبته وعاد إلى حياته المألوفة مرّة أخرى!

من بين الناس مَنْ حاصره بالتساؤلات التي لا تنتهي، مُحْبِطًا قوى جذب المُخَلِّص بكثرة التساؤل دونما الانصات!

البعض أرادوه ابنًا لأيديولوجيتهم (مخططاتهم الفكريّة)، ولمّا أحبطتهم رقّته ووداعته وسلميّته انصرفوا عنه. الكثيرُ من البشر يريدون تبعيّة مُفَجري الثوراث العنفيّة لا تبعيّة مُعلني الحقيقة الرُّحَّل!!

هناك مَنْ رآه حلاًّ للفقر فاقترب منه ليقتات، ولمّا وجد أنّه على مشارف الملاحقة من القادة اليهود، تصالح مع فقره الآمن ليأمَن ... وغيرهم وغيرهم ...

كلّ هؤلاء رأوه ... لامسوه ... أكلوا وشربوا على مائدة معه ... استمعوا إلى بلسم كلماته ... تنسَّموا رائحة الطُّهر في مُحيّاه ... لمحوا في عينيه معنى الحياة والحبّ ... ولكنّهم انصرفوا عنه إلى ذواتهم.

ليست الرؤية العيانيّة هي الحلّ لأزمة إنساننا العتيق المزمجر حول قلوبنا. علينا أنْ نُثَبِّت أعيننا الروحيّة على الربّ يسوع ولا نعبأ بذواتنا. إنْ لم نجد فيه ما كنّا نأمله فلنراجع آمالنا لا تبعيتنا له.

إنّ المتّضع، بحسب كلمات ماراسحق السرياني (النّسكيات، المقال 5) هو مَنْ يَرَى مجد الله، لذا فهو ينصحك: ”اتّضِع، تَرَى مجد الله في داخلك، لأنّه حيثما يَنْبُت التواضع، من هناك يَنْبُع مجد الله.“

كما يُقَرِّر بونهويفر Bonhoeffer (في كتابه: ثمن التبعيّة) أنّ اتّضاع القلب يُرافق مَنْ يسير خلف الربّ يسوع إذ أنّ الوديع والمتواضع القلب يُضْفِي من اتّضاعِ حضوره على مَنْ يسيرون خلفه، إذ يكتب: ”ما أَسْعَد أتباع يسوع البسطاء الذين غلبتهم نعمته والذين يستطيعون أنْ ينشدوا تسابيحَ نعمة المسيح الكافيّة كلّ الكفاية، والتي تقود القلب للاتّضاع.“ ومن الاتّضاع تتولَّد نقاوة القلب.

لتتذكَّر أنّ مَنْ يعاين الله هو النقي القلب؛ وللقلب أعين يفتنها الجمال الإلهي إنْ استقر فيه الروح الإلهي. القلب النقي هو الذي لا يختزن الشرّ ولا يتآمر ولا يتذمَّر ولا يتحزَّب ولا يحتفظ بالضغينة ولا يطمح في لفت الأنظار ولا يشتكي على الآخرين ولا يقارن ذاته بآخرين ولا يقبل بظلم الآخرين ولا يقبل بمذَمَّة عن آخرين ولا يتربَّص بمَنْ يعاديه ولا يتصيَّد لمَنْ يؤذيه ولا يضمر حقدًا لمخالفيه ولا يُشَرِّع للخطيئة مبرِّرًا. القلب النقي يمكنه أنْ يرى الله.