ارفعوا قلوبكم


”ارفعوا قلوبكم“؛ هي عبارةٌ قَصيرةٌ مُقْتَضَبَةٌ يُناجي بها الكاهن، الشعب. ليس للقلوب المُقَيَّدة مكانٌ الآن في تلك اللّحظات المقدّسة. على كلّ قلبٍ أنْ يرتفع الآن، أو بالأحرى أنْ يَسْمَح لروح الله أنْ يرفعه إلى المَقَادِس العُليا. إنْ لم ترتفع قلوبنا، كيف نستوعب الرسالة الإفخارستيّة؟ القلوب السُفْليَّة لن ترى على المذبح سوى قطعةٍ من الخبز ومزيجٍ من عصير الكرمة! أمّا القلوب المرفوعة تستشعر الحضور الإلهي، تتلامس مع النعمة المُقدَّمة. إنّ كلّ عطيّة صالحة وموهبة تامّة هي من فوق من عند أبي الأنوار (انظر يع1: 17)؛ هذا هو لسان حال القلوب التي ترتفع إلى فوق.

أيضًا، من المنظور المُتَّسِع، لن يمكننا أنْ نَسْتَوعِب الرّسالة الإلهيّة دون أنْ نَرْفَع قلوبنا إلى فوق ولو قليلاً. موضع القلب هو موضع الرؤية والبصيرة. القلب المرتفع هو القادر أنْ يعاين الصلاح الإلهي ويثمر أعمالاً صالحة وإنْ كانت الجموع التي من أسفل لها رأيٌ مغاير. ولعلّ أغلب الأزمات الروحيّة الناشبة في مسيرتنا الإيمانيّة والمُحَمَّلة بالتساؤلات غير المُجَابة تنتج من محاولة الحصول على أجوبةٍ بينما قلوبنا مازالت أسفل، ترزح (تضعف) قواها في أصفاد العالم المادي! العقلُ، إنْ حاول أنْ يرتفعُ، بينما القلب مُقَيِّدٌ في الأهواء، لن يحصل سوى على فتاتٍ من يقين. كلّما ارتفع العقل زادت الحيرة والتساؤل! أمّا القلب، إنْ ارتفع، سَبَحَ في فضاء المعاينة الإلهيّة. القلب المُحَلِّق يقتات من السكون والتناغم والتصالح مع الذات. وكلّما اقتات، فاض على العقل إجابات في صميم الاحتياج. القلب المرتفع يُحَدِّد للعقل زاوية الرؤية للحصول على الإجابة الضرورّية.

ولكن ما علاقة هذا بما يحدث الآن في العالم وبالأخص في مصر والشّرق الأوسط؟

من المؤلم أنْ نتلقَّى حَدَثًا جَلَلاً كالذي حَدَثَ في الكنيسة البُطْرسيَّة من استشهاد جمعٍ من المُصلين أثناء القدّاس، على سبيل المثال، وقلوبنا مازالت أسفل. ولعلّ من العلامات التي تشير إلى أنّ القلب مازال رهن اعتقال عالم الـ ”أسفل“ هي الاهتمام والاستغراق في تفاصيل الحَدَث الجنائيّة والمجتمعيّة والإعلاميّة دون أنْ يأخذ برهة ليتساءل عن الرسالة الإلهيّة التي يحملها لنا هذا الحدث. بدلاً من أنْ ندخل مخادعنا، ونَزِفُّ - في صلواتنا - أولئك الذين عَبَروا العبور المُقَدَّس، ننصرف إلى المشهد الأمني والسياسي. بالتأكيد من الضروري أنْ نسعَى لمعرفة الملابسات، بل ومن الواجب أنْ نطالب بمعرفة الحقيقة وتفعيل القانون. ولكن ... ألاَ نبدأ باستيعاب الرّسالة الإلهيّة أولاً؟ ألاَ نركع ونطلب من الله أنْ يُحَوِّل ما حدث إلى معنًى يقود حياتنا نحوه بقوّة أكبر؟ ألاَ يُزَكِّي فينا ما حدث شوقًا للعبور المُقَدَّس؟ ألاَ نُرَاجِع حياتنا وأولوياتنا أمام تلك اللّحظات الخاطفة التي تفصل بين وجودنا الأرضي ووجودنا ما بعد العبور من الأرضي؟ ألا نتوقَّف لنفحص دعوة حياتنا وهل تستحق العناء والمشقّة التي ندور في رحاها يومًا بعد يوم؟ ألاَ نهدأ ونَرْصُد حالة قلوبنا؛ هل هي عالقة ومُتَعَلِّقة بملكوت الله أم أنّها تنسج لنفسها مُلْكًا زمنيًّا؟

إنّ هذا لا يعني بكلّ تأكيد انعزالاً عن العالم، ولكن، بالأحرى انخراطًا إيجابيًّا في العالم ونحن مُثَقَّلون بقلبٍ مُلْتَهِب من نحو الله. كلٌّ بحسب دعوته. إلاّ أنّ المركزي في دعوتنا أيّما كانت وأينما كانت هو أنْ نُضيء في أي مكانٍ نتواجد فيه. أولويتنا يجب أنْ تحتفظ بالصدارة لذاك الذي أحبّنا وقد غَسَّلنا من خطايانا بدمه (رؤ1: 5) لنعيش الزمان الباقي من حياتنا في الجسد لا لشهوات النّاس بل لإرادة الله (1بط4: 2).

حينما استُشهد يعقوب بسيف هيرودس، وقُبِضَ على بطرس، وزُجَّ به في السجن استعدادًا لملاقاة نفس مصير يعقوب، اجتمعت الكنيسة وصَلَّت (أع12: 1-5). هذا يؤكِّد أنّ قلوبهم كانت فوق، ومن فوق أَمْكَن للكنيسة أنْ تستوعب ما حدث، ومن فوق تتلقَّى قوّة ودفعة أكبر لإعلان ملكوت الله مهّما كلّفها الأمر.

إنّ المسيحي يستقبل المشهد المؤلم الذي تناقلته صفحات الجرائد وشاشات الأخبار ومنابر التواصل الاجتماعي بشكل مختلف. المسيحي الحقّ يرى ليتورجيّة، وتسابيح، وتهليل سماوي. المسيحي الحقّ يرتفع قلبه مع ارتفاع تلك الأرواح البّارة التي لاقت المخلِّص بالثوب القرمزي. المسيحي الحقّ يرى في كلّ شيء جزءًا من الرواية الخلاصيّة التي تحياها الكنيسة. المسيحي الحقّ يرى نصرة وغلبة وهتاف أبواق وأرواح مُكَمَّلين. المسيحي الحقّ بالتأكيد سيَتَألَّم، ولكنّه أَلْم المُنْتَصِر الذي يرى الإكليل في الأُفقِ ويرى رؤوسًا قد تزيّنت به بالفعل. المسيحي الحقّ سيتردَّد في قلبه الندّاء: ”المسيح قام“، فلا يكون للموت سلطانٌ عليه ليرهبه فيما بعد. المسيحي الحق، قلبه إلى فوق.