برفقته في رحلة التجديد: لعن التينــــــة


في صباح الاثنين، بعد يومٍ حافلٍ من الاحتفاء الملوكي المحاط بتوجّس القادة غير الخافي على أحدٍ، خرج يسوع من بيت عنيا إذ قضى ليلته هناك. كان يسوع على موعد مع مواجهة جديدة في الهيكل. ولكنّه على الطريق، أعلن لتلاميذه أنّه جائع. لم تكن تلك هي المرّة الأولى، فقد أعلن مسبقًا أنّه ظمآن للمرأة السامريّة، كما أعلن الوحي من قبل عن جوعه بعد الأريعين يومًا والتي قضاها في صومٍ وصلاة متواصلين في بريّة الأردن (لو4: 2). نظر حوله فوجد شجرة من أشجار التين، مال إليها إذ كانت مكسوّة بالورق من الخارج ممّا يدل على وجود حياة في الشجرة.

إنّ أي شخصٍ يحيا في ربوع أورشليم في ذاك الوقت يألف أشجار التين، والتي منها اتّخذت قريّة بيت فاجي (بيت التين) مسمّاها الدلالي. غير أنّ أواخر مارس وأوائل إبريل لم يكن هو الأوان الذي يمكن حصاد التين فيه كما أوضح القديس مرقس في تعليقه المقتضب (مر11: 13). كان ثمّة موسمين لحصاد ثمار للتين؛ الأوّل من منتصف شهر أغسطس إلى منتصف شهر أكتوبر، بينما الثاني من منتصف شهر مايو إلى منتصف شهر يونيو. هذا يعنيّ أنّه من غير المرجّح أنّ تكون هناك ثمار باقيّة من الموسم السابق. إلاّ أنّ المشنا (أحد كتب التقليد اليهودي) تشير إلى مرحلة ما بين البراعم الصغيرة، واكتمال الثمر، والتي فيها تكون هناك ما يمكن أن يطلق عليه ثمار غير ناضجة بعد تسمّى (paggim) والتي يمكن تناولها حال تحوّل لونها إلى الوردي بالرغم من أنّ طعمها ليس مستساغًا (Shebilith 4.7). نقرأ عن هذا الأمر أيضًا عند بليني (Nat. Hist. 16.49). لذا يرى بعض المفسرين أنّ اقتراب يسوع من شجرة التين المورقة كان من أجل بعض تلك البراعم غير الناضجة بعد ولكنّها الصالحة للأكل.

اقترب يسوع يرافقه جمع التلاميذ كالمعتاد، ووقف أمام الشجرة التي كشفت عن واقعها غير المثمر. فما كان من يسوع إلاّ أنّ لعنها (بحسب وصف القديس في اليوم التالي بطرس مر11: 21)؛ ”فَأَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهَا: لاَ يَأْكُلْ أَحَدٌ مِنْكِ ثَمَرًا بَعْدُ إِلَى الأَبَدِ!“ (مر11: 14).

لقد وردت تلك الحادثة (لعن التينة) في إنجيلي القديس متى والقديس مرقس فقط من دون باقي الأناجيل. قدّم القديس مرقس تفاصيل أكثر حينما تحدّث عن ملاحظة بطرس في اليوم التالي (يوم الثلاثاء). ولعلّ القديس مرقس دوّن في إنجيله ثمانية عشر معجزة قام بها يسوع، آخرها تلك المعجزة (لعن التينة)! وهذا الأمر له دلالة بكلّ تأكيد إذ يشير إلى أنّ زمان الافتقاد قد انتهي لإسرائيل، وآن الأوان لانتقال الرسّالة للأمم.

ويبقى السؤال الذي يجري على بعض الألسنة؛ لماذا لعن يسوع التينة مع أنّه لم يكن أوان الثمر؟

لكي نجيب على هذا التساؤل من الضروري أن نطالع بناء المعجزة في إنجيل القديس مرقس. إنّ مفسري الكتاب المقدَّس لاحظوا ظاهرة تدوينيّة خاصة بالقديس مرقس في السرد، والتي أطلقوا عليه Markan Sandwich. وهي تعني أنّه في الكثير من الأحيان يدلِّل القديس مرقس على حدث محوري من خلال ما قبله وما بعده، ولعلّ النصّ هنا خير مثال على ذلك.

مرقس 11: 12-14 الخروج من بيت عنيا ولعن التينة    [حدث 1]

مرقس 11: 15-18 تطهير الهيكل                [حدث 2]

مرقس 11: 19-24 ملاحظة يبوسة التين               [حدث 1]

إنّ دلالة هذا القالب السردي للأحداث يلقي بالضوء على علاقة الحدث الأوّل (لعن التينة) بالحدث الثاني (تطهير الهيكل)، وكلاهما له علاقة مباشرة بافتقار إسرائيل للثمر، والمتمثِّل في تحويل بيت العبادة إلى سوقٍ فوضوي.

ولعلّ هناك ثمّة شبه إجماع تفسيري أنّ معجزة لعن التينة تندرج تحت قسم الأمثال الممثّلة Parabolic acts أي شرح معنى هام للغاية، كما في أمثال المسيح، ولكن من خلال فعل act وليس صورة ذهنيّة image فقط. إنّ هذا النمط نجده في الكثير من نبوّات العهد القديم، إذ كانت هناك النبوّات التي يعلن من خلالها النبي عن الحقيقة كما استعلنت له في صورة خطاب للجموع، وهناك نبوّات يعلن من خلالها النبي عن الحقيقة كما استعلنت له في صورة أفعال أو ما يمكن أن يطلع عليه الدراما النبويّة (انظر على سبيل المثال: إر13: 1-11؛ 19: 1، 2، 10؛ حز3: 1-11؛ 12: 1-16).

ولعلّ هذا الأمر يجيب على تساؤل البعض؛ ألم يكن ممكنًا لذاك الذي لعن التينة فيبست لأنّها لم تكن حاملة ثمار أن يباركها فتثمر في الحال؟ إنّ معجزتي إشباع الجموع تعطيانا صورة حول إمكانيّة هذا الأمر، ولكن لأنّ الأمر يتعدّى موقف جوع شخصي عارض، فإنّ لعن التينة بمثابة جزء من الإعلان النبوي اللاّحق كدينونة لأمةٍ لم تثمر.

اكتمال مشهد الدينونة من خلال تطهير الهيكل من باعة الحمام والمتربّحين من الهيكل يؤكَّد أننا هنا أمام مشهد دينونة جناحية هما: لعن شجرة التين، وتطهير الهيكل.

بالتأكيد يمكن لأي قارئ للكتاب المقدّس أن يلحظ العديد من المواضع التي تم فيها تشبيه إسرائيل بالتينة، بل إنّ يسوع نفسه أوضح ذلك في المثل الذي قصّه على الجموع كما ورد في (لو13: 6-9)، كالتالي:

وَقَالَ هذَا الْمَثَلَ: «كَانَتْ لِوَاحِدٍ شَجَرَةُ تِينٍ مَغْرُوسَةٌ فِي كَرْمِهِ، فَأَتَى يَطْلُبُ فِيهَا ثَمَرًا وَلَمْ يَجِدْ. فَقَالَ لِلْكَرَّامِ: هُوَذَا ثَلاَثُ سِنِينَ آتِي أَطْلُبُ ثَمَرًا فِي هذِهِ التِّينَةِ وَلَمْ أَجِدْ. اِقْطَعْهَا! لِمَاذَا تُبَطِّلُ الأَرْضَ أَيْضًا؟ فَأَجَابَ وَقَالَ لَهُ: يَا سَيِّدُ، اتْرُكْهَا هذِهِ السَّنَةَ أَيْضًا، حَتَّى أَنْقُبَ حَوْلَهَا وَأَضَعَ زِبْلاً. فَإِنْ صَنَعَتْ ثَمَرًا، وَإِلاَّ فَفِيمَا بَعْدُ تَقْطَعُهَا».

قبل المثل السابق، نجد تحذيرًا دوّنه القديس لوقا من عدم التوبة مع الاستشهاد بحدثيْن تركا أثرًا عميقًا في نفوس اليهود آنذاك مع محاولات تحليل للأسباب التي أدّت إليهما؛ الأوّل المذبحة التي قام بها بيلاطس في الجليل، والثاني سقوط برج سلوام والذي راح ضحيته ثمانية عشر شخصًا. وكان التصريح الختامي قبل سرد المثل؛ ”إِن لَمْ تَتُوبُوا فَجَمِيعُكُمْ كَذلِكَ تَهْلِكُونَ“ (لو13: 5).

يمكن ربط هذا المثل بصرخة القديس يوحنا المعمدان النبويّة قبل ذلك بثلاث سنوات تقريبًا، إذ قال: ”وَالآنَ قَدْ وُضِعَتِ الْفَأْسُ عَلَى أَصْلِ الشَّجَرِ، فَكُلُّ شَجَرَةٍ لاَ تَصْنَعُ ثَمَرًا جَيِّدًا تُقْطَعُ وَتُلْقَى فِي النَّارِ.“ (مت3: 10)

إن ربطنا كلّ تلك المشاهد بعضها البعض نخلص إلى دلالة واضحة تشير إلى إعلان دينونة مكتملة الأركان؛ قطع الشجرة من الأصل (مت3: 10) / يبوسة التينة من الأصول (مر11: 20). ولكن مع إعلان الدينونة يأتي الانتقال إلى واقع جديد إذ أعلن المسيح لاحقًا: ”لِذلِكَ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ مَلَكُوتَ اللهِ يُنْزَعُ مِنْكُمْ وَيُعْطَى لأُمَّةٍ تَعْمَلُ أَثْمَارَهُ.“ (مت 21: 43). إن دينونة إسرائيل تحمل في طيّاتها انتقال مركز شعب الله إلى أمّة تصنع ثمرًا، ولعل هذا هو الأساس اللاّهوتي الذي بنى عليه القديس بولس مفهوم إسرائيل الجديد.

إذًا،  نحن لسنا بصدد موقف قائم على ردّ الفعل من يسوع نتيجة جوعٍ وعدم توفّر ثمر في شجرة لم يكن أوان ثمرها! مثل تلك القراءة قاصرة بكلّ تأكيد. إنّنا أمام صورة واقعيّة يوضّح من خلالها الربّ يسوع واقع إسرائيل والذي يبدو مورقًا من الخارج بالآباء، والمواعيد، والشرائع، والأبنية العظيمة، والملابس الطقسيّة، والذبائح في أوانها، ومرور الكثيرين بالهيكل من كلّ صوب وحدب. إلاّ أنّ كلّ تلك المظاهر لا تتعدى كونها ورقٍ يكسو سيقان الشجرة العارية من الثمر. تمامًا كمّا صوّر المسيح حالة قادة اليهود وأرباب الديانة الهيكليّة بأنّهم كقبور مزيّنة من الخارج بينما من الداخل تحوي رائحة الموت.

أين الثمر؟ كان هذا مطلب يسوع من شعب يهوه ...

أين القدرة على تمييز مسيانيّته؟ أين مركزيّة الحق والرحمة والعدل؟ أين يقع الإنسان في مقابل الوصيّة؟ أين الفقراء والأرامل؟ أين المخادع العامرة بالصلوات بعيدًا عن الأعين؟ أين الأصوام المقترنة بردّ المسلوب؟ أين توبة شعبه؟

إنّ الهلع دائمًا ما يعتري النفس الحسّاسة لكلمة الله حينما تواجه بلعن التينة. فما أبعدنا عن الثمر الذي يشبع قلب يسوع. نستر عرينا بأوراق التين في محاولات تجمّل دائمة أمام الآخرين، وأحيانًا أمام أنفسنا. لقد طالبنا يسوع بأن نسير في النور مادام لنا النور. هذا يعني أن نثمر طالما نحن فيه. كلّ مرّة يعبر علينا ولا يرى ثمرٍ يذكّرنا بأنّ سيف الزمن يقضم وجودنا رويدًا رويدًا، وسيأتي يومٌ نجد أنّ شجرة وجودنا مقتطعة من الحياة التي تحمل إمكانيّة الخيار. نعم، الوقت مقصّر. نعم، كلّ خيار نقوم به كلّ يوم إمّا يساعد على مرور عصارة الروح (النعمة) إلى البراعم الصغيرة، أو يعرقل مرور الروح إلى تلك البراعم.

كلّ خيار نقوم به هو قرار ذبول أو إيناع، قرار يبوسة أو خصوبة. نحن في صراع مع المواسم والأزمنة لنثمر لملكوت الله. إن كنّا بني الملكوت أثمرنا للملكوت، وقتها نرسّخ وجودنا ودعوتنا في الكرمة الملكوتيّة، ولكن إن كنّا في حالة تجاهل دائم ومستمر ومعاند لانتماءنا لسماء يسوع والتي يتحقّق فيها مشيئة الآب على الأرض كما في السماء، صرنا في خطر أن نكون مرفوضين من ملكوت ابن الله.

الملكوت ليس إرث عرقي، ولكنّه خيار دائم قائم على الثمر المتكاثر لمجد الآب. لن نكون بني الملكوت لأنّ لنا مسمّى الجماعة الملكوتيّة (مسيحيين)، ولكنّنا نكون بني الملكوت حينما نبرهن بالثمر على أنّنا من صلب تلك الجماعة، مولودين من الماء والروح الذي يخصب أراضيها لحياة فائضة على الدوام.

لقد سمع التلاميذ لعن الشجرة؛ ”وَكَانَ تَلاَمِيذُهُ يَسْمَعُون“ (مر11: 14). ولكن لا يكفي أن نسمع الكلمة بوجهيها المُحَفِّز / المُحَذِّر، ولكن يجب أن نميل بقلوبنا نحوها لتدخل الكلمة إلى العمق منه لتعمل عملها.

إنّ الإيمان بكلمة يسوع يحتاج للكثير من الإيمان. لقد رسم صورة الاستحالة الشديدة حينما أعلن أنّ انطراح الجبل في البحر ممكن لمن له إيمان كالصخر (مر11: 23). الجبل الأقرب كان جبل الزيتون، والبحر الأقرب هو البحر الميّت. كانت صورة انطراح الجبل في البحر يستخدمها الرابي اليهودي لتحفيز دارسي التوراة لبذل المزيد من الجهد أمام تلك النصوص التي لا حصر لها، والتي يبدو استحالة الخوض فيها كلّها.

لقد افتقر إسرائيل للإيمان، وكان هذا السبب الرئيس لتأخرّه عن ركب الملكوت الذي كان يعبر على المدن والقرى آنذاك. الإيمان يتطلّب موت المصالح الذاتيّة / الجماعيّة لحساب الحقيقة. الإيمان بيسوع مسيّا أيضًا يتطلّب موت مصالح السلطة والسيادة في القلوب حتى يمكن القبول بمسيّا من الناصرة، يجول وليس له أين يسند رأسه، يقترب من الفقراء والمهمشين والخطاة، يحاور المرأة على قارعة الطريق، ويرفض أن يُمَلَّك بأيدي الناس، ويعيد تفسير الناموس واضعًا الإنسان في المركز من تفسيره.

إنّ انطراح الجبل في البحر أيسر من إيمان أحد قادة الكتبة والفريسيين بمسيانيّة يسوع وخاصّة بعد ارتفاعه على خشبة العار؛ خشبة الصليب. الإيمان مطلب ليس هيّن على الإطلاق، ولكن من دونه لسنا على درب الملكوت، ولا في دائرة القبول كأبناء في ملك أبيهم.