برفقته في رحلة التجديد: بأي سلطانٍ تفعل هذا؟


وَفِي أَحَدِ تِلْكَ الأَيَّامِ إِذْ كَانَ يُعَلِّمُ الشَّعْبَ فِي الْهَيْكَلِ وَيُبَشِّرُ، وَقَفَ رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ وَالْكَتَبَةُ مَعَ الشُّيُوخِ، وَكَلَّمُوُه قَائِلِينَ: «قُلْ لَنَا: بِأَيِّ سُلْطَانٍ تَفْعَلُ هذَا؟ أَوْ مَنْ هُوَ الَّذِي أَعْطَاكَ هذَا السُّلْطَانَ؟» فَأَجَابَ وَقَالَ لَهُمْ: «وَأَنَا أَيْضًا أَسْأَلُكُمْ كَلِمَةً وَاحِدَةً، فَقُولُوا لِي: مَعْمُودِيَّةُ يُوحَنَّا: مِنَ السَّمَاءِ كَانَتْ أَمْ مِنَ النَّاسِ؟» فَتَآمَرُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ قَائِلِينَ: «إِنْ قُلْنَا: مِنَ السَّمَاءِ، يَقُولُ: فَلِمَاذَا لَمْ تُؤْمِنُوا بِهِ؟ وَإِنْ قُلْنَا: مِنَ النَّاسِ، فَجَمِيعُ الشَّعْبِ يَرْجُمُونَنَا، لأَنَّهُمْ وَاثِقُونَ بِأَنَّ يُوحَنَّا نَبِيٌّ». فَأَجَابُوا أَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ مِنْ أَيْنَ. فَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: «وَلاَ أَنَا أَقُولُ لَكُمْ بِأَيِّ سُلْطَانٍ أَفْعَلُ هذَا» [لو20: 1-8]


يسوع دائمًا، يُسائل أسئلتنا. لا يدعنا نهدأ ونطمئن لإجابات سطحيّة. أسئلة الإنسان العتيق لا يمكنه أن يعيرها انتباهه. لن يخضع للفضول الأجوف، ولا لمحاولات المعرفة المفتقرة للهيب التبعيّة والطاعة. هو لا يكشف نورًا لمن يرغب في أن يتباهَى بمعرفة النور، أو يرغب في أن يثبت بره الذاتي متعاليًّا على النور، وهو في الظلمة يحيا، وعلى الخرنوب يتغذّى في الغربة!

نعتقد نحن، بجهلٍ أو سذاجةٍ أو تعلُّم خاطئ أنّ كلّ أسئلتنا لله ستنال إجابة، وكأنّ كلّ ما علينا أن نقوم به هو أن نصيغ سؤالاً جيّدًا، منطقيًّا، مُحْكَمًا، واقعيًّا، ونُطْلِقُه للأعالي! وننتظر! وحينما تتأخّر الأجوبة، وتظلّ [سماؤنا] صامتة، نتذمَّر على تأخُّر الله عن أداء دوره الأساسي في الإجابة على الأسئلة، كما نتصَّور، أو نتوهَّم استجابات، وإجابات، وننسبها لله وننادي بها على الطريق!!!

يسوع لم يُقَدِّم لنا ذاته أبدًا على أنّه مُفْتٍ يجيب على أسئلة السائلين! من أين أتينا بهذا التصوُّر؟! في الأناجيل، وفي أغلب الأحوال، لم يُقَدِّم يسوع إجابات لأسئلة من حوله، وفي الكثير من الأحوال اكتفى بمُسائلة السؤال، وترك الشخص للتفكير.

ولعلّ النصّ السابق، الذي دوّنه لنا القديس لوقا، يكشف لنا السبب الرئيسي. لقد طرح الربّ يسوع سؤالاً على رؤساء الكهنة والكتبة ليتكشَّف، أو بالأحرى يَكْشِفُ، وِجْهَة قلوبهم؛ هل هم باحثون عن الحقيقة، أم باحثون عن إجابةٍ تُرضيهم أو تساعدهم في محاولة إلقاء القبض على يسوع. كان سؤال يسوع على بساطته كاشفًا لنا أنّهم كانوا "مُؤَدْلَجين" أي أنّ ما يحكم مواقفهم هو أيديولوجيّة، أو مجموعة من الأفكار المسبقة تحكمها المصالح فقط!

لم يجيبوا بما كانوا مقتنعين به على الإطلاق، أو لعلّهم لم يتوقفوا، من الأساس، مع أنفسهم للبحث عن قناعة ولو خفيّة، ولكنهّم كانوا يبحثون عن الإجابة التي تُبَرِّرهم، وتضعهم في موضع القوّة، وتنجيهم من عواقب قناعتهم. هم يبحثون عن إطراء ومديح الجموع، ويتجنبون سخط الجموع، وهذا ما يحكم أجوبتهم!!! تلك هي السياسة؛ مداعبة الجموع لاستقطابهم!!

وحينما لم يجدوا إجابة تسعفهم قالوا: "لا نعرف" ... ولكنّها "لا نعرف" مخادعة لأنّها لا تعبّر عن حالة القلب الذي يعتقد أنّه يعرف، ولكنّه يخشى أن يعلن ما يعرفه لئلا يتّهم بالرياء أو يخسر الجموع! ليس كلّ إعلان عدم معرفة هو صدق مع الذات، واتضاع أمام المعرفة، ولكنّه أحيانًا يكون آلية اختباء أو إخفاء ما في القلب لا أكثر ولا أقل!

كان هذا هو حال قلبهم؛ تابع للجموع ... وليس تابع للحقيقة ...

راغبٌ في التبرُّر ... وليس راغبٌ في التعلُّم ...

لمثل هؤلاء لا يمكن أن يُعْطِي يسوع إجابةً عن سلطانه، لأنّ قلوبهم كانت تبحث عن سلطانها هي، وكلّ إعلان يكشف سلطة يسوع كان بمثابة انتقاص من سلطانهم.

كان جمال شخص يوحنا المعمدان البهيّ، أنّه لم يرى في ذاته أكثر من صديق العريس، وهو يُقَدِّم العريس للعالم، يُهيئ طريق العريس، لا طريق ذاته هو. كان يوحنا، إن أراد، يمكن أن يكون قوّة هائلة في المجتمع اليهودي، تلتف حوله الجموع، ولكنّه لم يَتَعَلَّم هكذا في خُلوته التي استمرت لسنواتٍ، لقد كان ابنًا مخلصًا للحقيقة المُخَلِّصة. لقد تدرّب في خلوته على أن يكون جزءًا من قصّة الخلاص، لا مركزًا بديلاً عن المخلِّص.

كم من مرِّة قدّمنا ذواتنا للآخرين كمُخَلِّصين لهم؟! كبديل عن المُخَلِّص! وشعرنا أن دورنا جوهري في حياتهم بدرجة جعلتهم اعتماديين علينا بالكليّة حتى أنّنا صرنا إدمانهم، وذلك لأنّنا لم نتدرّب من الروح على اكتشاف دور المخلصِّ الجوهري، وحده. ولم نتدرَّب على اكتشاف ذواتنا التي قد تنادي بالفم عن خلاص يسوع، وهي بشكلٍ عملي تضع ذاتها مكانه، لا على الصليب، ولكن على عرش الافتخار أو في مركز وجود الآخرين!!!

ولكن ...

لا يمكن للرعاة والكهنة والخدام أن يكونوا مُخَلِّصًا للرّعية ...

لا يمكن للآباء والأمهات أن يكونوا مخلِّصًا لأولادهم وبناتهم ...

لا يمكن للأطباء أن يكونوا مُخلِّصًا لمرضاهم ...

لا يمكن للعلماء أن يكونوا مخلِّصًا للمجتمعات ...

لا يمكن للقانونيين والقضاة أن يكونوا مخلِّصًا للأخلاق الجمعيّة ...

لا يمكن للاقتصاديين والسياسيين والحكَّام أن يكونوا مُخلِّصًا لشعوبهم ...

لا يمكن لجماعات الإغاثة واللاّجئين والشؤون الاجتماعيّة أن يكونوا مُخلِّصًا للمنكوبين...

لا يمكن للإنسان أن يكون مخلِّصًا للإنسان ...

لأنْ من لا يستطيع أن يخلِّص نفسه / يحمي نفسه من الألم والمرض والفقر والخطيئة والوحدة لا يمكنه أن يُخَلِّص آخرين؛ "لا تتكلوا على الرؤساء، ولا على ابن آدم حيث لا خلاص عنده" (مز146: 3). كلّنا بحاجة إلى المُخلِّص، والذي يرسل عونه على يدٍ مَنْ كانوا له يدًا، وفي صوت مَن كانوا له صوتًا، وفي حضن من كانوا له حضنًا في العالم. مَنْ تعلّموا درس يوحنّا أن يكونوا صوتُ صارخٍ في البريّة ... فقط صوتٌ ينادي بقدرة المخلِّص ومجيئه ...

كلّ من يريد برّ المسيح، وشهادته، عليه بيوحنا، عليه بهذا النهج في أن يفتح قلبه على الحقيقة الإلهيّة، ويرفض كلّ غواية أن يصير مركزًا لآخرين!! كلّ أعمال التقوى لن تنفع شيئًا لمن كانت أعمالهم من مركز ذواتهم ... قد تكون لهم صورة مُتقنة للتقوى، ولكنّها بلا قوّة، لأنّها خارج إطار ملكوت الله تمارس عملها ...

إن أردت أن تنال من الله، من يسوع الذي تحبّه، إجابة على سؤالك وصرختك المُحَيِّرة، عليك أن تقبل في خضوع مُسَائلته لقلبك ... سيسألك؛ هل تخشى الناس؟ هل تطمح في رضَى الناس؟ هل تريد أن تستقطب الناس؟ هل تريد أن تفلت من سخرية الناس ورفضهم؟

إنْ تَفَلَّت من الإجابة، لن يُجيبك على سؤلك، وإنْ اعترفت بالإيجاب في انكسار أمامه مقرًّا بحالتك في استعداد على تعديل المسار، سيعمل على شفاء قلبك، ليُهَيِّئه للحقيقة، ليجيبك بما تريد أن تعرفه لخلاصك، ونموك، وحرّيتك، ودعوتك.

من السهل أن يعلن لك سلطانه على ما يحدث، وسلطانه فيما يفعل، ولكن إن لم يكن لك قلبٌ مستعدٌ للحقيقة، لن تفهم شيئًا، ولن تستجيب بالشكل الأمثل، لأنّك لم تتدرّب على الإجابات على هذا المستوى من الوعي. قد تزيدك الإجابة في الحصيلة المعرفيّة النظريّة، والتي قد تستثمرها لبناء مُلْكًك الذاتي، لا ملكوت ابن الله، أو قد ترفضها كأجوبة ساذجة!! أو تتجاهلها كأنّها لم تكن. لن تستوقفك، لأنك لم تستوعبها، لأنّ القلب يستوعب ما يُهيَّأ له ...

لذا، في بداية الصلوات الليتورجيّة كلّها بعد أن يمنح الكاهن السلام للجميع، يسأل: "أين هي قلوبكم؟" فتكون إجابة المصلين: "هي عند الربّ". هي ليست عند الناس؛ لا خوفًا، ولا طمعًا ... هي ليست عند الذات ... هي لدى الربّ ... متطلّعه إليه وحده ...

إن كانت القلوب عند الربّ؛ هي إذن مُهيَّأة للحقيقة والإعلان الإلهي ...

لتلك القلوب يجيب عن سرّ سلطانه، وسرّ أبيه ...