برفقته في رحلة التجديد: الهجرة نحو أرجل الآخرين


أَمَّا يَسُوعُ قَبْلَ عِيدِ الْفِصْحِ، وَهُوَ عَالِمٌ أَنَّ سَاعَتَهُ قَدْ جَاءَتْ لِيَنْتَقِلَ مِنْ هذَا الْعَالَمِ إِلَى الآبِ، إِذْ كَانَ قَدْ أَحَبَّ خَاصَّتَهُ الَّذِينَ فِي الْعَالَمِ، أَحَبَّهُمْ إِلَى الْمُنْتَهَى. فَحِينَ كَانَ الْعَشَاءُ، وَقَدْ أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي قَلْبِ يَهُوذَا سِمْعَانَ الإِسْخَرْيُوطِيِّ أَنْ يُسَلِّمَهُ، يَسُوعُ وَهُوَ عَالِمٌ أَنَّ الآبَ قَدْ دَفَعَ كُلَّ شَيْءٍ إِلَى يَدَيْهِ، وَأَنَّهُ مِنْ عِنْدِ اللهِ خَرَجَ، وَإِلَى اللهِ يَمْضِي، قَامَ عَنِ الْعَشَاءِ، وَخَلَعَ ثِيَابَهُ، وَأَخَذَ مِنْشَفَةً وَاتَّزَرَ بِهَا،  ثُمَّ صَبَّ مَاءً فِي مِغْسَل، وَابْتَدَأَ يَغْسِلُ أَرْجُلَ التَّلاَمِيذِ وَيَمْسَحُهَا بِالْمِنْشَفَةِ الَّتِي كَانَ مُتَّزِرًا بِهَا [...] قَالَ لَهُمْ: «أَتَفْهَمُونَ مَا قَدْ صَنَعْتُ بِكُمْ؟ أَنْتُمْ تَدْعُونَنِي مُعَلِّمًا وَسَيِّدًا، وَحَسَنًا تَقُولُونَ، لأَنِّي أَنَا كَذلِكَ. فَإِنْ كُنْتُ وَأَنَا السَّيِّدُ وَالْمُعَلِّمُ قَدْ غَسَلْتُ أَرْجُلَكُمْ، فَأَنْتُمْ يَجِبُ عَلَيْكُمْ أَنْ يَغْسِلَ بَعْضُكُمْ أَرْجُلَ بَعْضٍ، لأَنِّي أَعْطَيْتُكُمْ مِثَالاً، حَتَّى كَمَا صَنَعْتُ أَنَا بِكُمْ تَصْنَعُونَ أَنْتُمْ أَيْضًا. اَلْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُ لَيْسَ عَبْدٌ أَعْظَمَ مِنْ سَيِّدِهِ، وَلاَ رَسُولٌ أَعْظَمَ مِنْ مُرْسِلِهِ. إِنْ عَلِمْتُمْ هذَا فَطُوبَاكُمْ إِنْ عَمِلْتُمُوهُ. [يو13: 1 - 16]


كانت العادّة في اليهوديّة أن يقوم أحد الخدم، أو الأصغر في الحاضرين، بخدمة غسل الأرجل بعد عناء سفر أو رحلة طويلة أو لضيوفٍ قَدِمُوا من مكان بعيد. لم تكن تلك مهمَّة مُقدَّرة في اليهوديّة! لذا كثيرًا ما كانت عملاً يقوم به غير اليهودي؛ فهي لا تليق بتلاميذ التوراة (b. Ketub. 96a; Mek. Exod. 21.2).

قبل أن يبدأ الفصح، وبجلوس التلاميذ حوله، يبدو أنّ يسوع انتظر ليقوم أحد التلاميذ بخدمة غسل الأرجل، ولكن لم يبادر أحدهم. هل كان يتملّك كلّ منهم شعورًا بأنّه قد لا يكون الأوّل أو الأعظم، ولكنّه بالتأكيد ليس الأصغر للقيام بهذه المُهِمَّة؟! هل رَفْض بطرس أن يقوم الربّ يسوع، المُعَلِّم، بهذا الأمر معناه أنّه انتظر أحد التلاميذ "الأصغر" أن يقوم بهذا العمل بديلاً عنه، خاصّة أنّه لم يبادر بأن يقوم هو بغسل الأرجل حينما أراد يسوع غسل رجليه، بل قال فقط: "لن تغسل رجلي أبدًا" متمنِّعًا!! بالتأكيد لا نستطيع أن نجزم بهذه الأمور، ولكنّها مجرّد محاولات لفهم الأجواء في العُليَّة.

في نهاية الأمر، يبدو أنّ أحدًا لم يبادر لممارسة هذا العمل، وهو ما دفع يسوع لأن يستثمر الفرصة لتأسيس درس علاقاتي هام جدًّا بين الأخوة في جسده. لقد قال لبطرس إنّك لن تفهم ما أقوم به الآن، ولكنّك ستفهم فيما بعد!

أعتقد أننا الآن ندرك جيًّدا أهميّة ما قام به يسوع بعد حجم هائل من نزاعات السلطة والبحث عن الزعامة وتساؤل "من الأعظم؟" بين أعضاءٍ كان يُفْتَرَض أن يكونوا مترابطين في جسدٍ واحدٍ بقيادة رأسٍ واحدٍ عبر العصور وطوال التاريخ!

بالتأكيد لا يتجلّى الحبّ في بهائه بالكامل في هذا المشهد كما تجلَّى في الصليب، حيث أحبّنا المسيح حتى الموت والدماء. إلاّ أنّ ما قام به يسوع هائل، لأنّه أسّس بالفعل لنوع وشكل العلاقات بين الأخوة، ولعلّ الأزمة الكبرى التي يعاني منها الكثير من أعضاء الكنائس الآن ليس في فهم محبّة الله على الصليب، ولكن في فهم كيفيّة التعامل العلاقاتي بعضنا البعض في الجسد الواحد، وفي إطار مساحة السلطة الروحيّة الممنوحة للبعض كموهبة من الله لخدمة الجسد، وخاصّة أنّنا نرصد في الأناجيل حوارًا حاميًّا بين التلاميذ، إن جاز القول، عن الأعظم في ملكوت الله إذ: "تَحَاجُّوا فِي الطَّرِيقِ بَعْضُهُمْ مَعَ بَعْضٍ فِي مَنْ هُوَ أَعْظَمُ." (مر9: 34).

إنّ مفتاح الحدث هنا ليس أنّ الربّ يسوع غسل أرجل التلاميذ، وأن هذا تواضع عظيم! وهائل! بالرغم من صدق تلك الحقيقة. إلاّ أنّنا نرصد أنّه حتى التواضع له حدود ومحدِّدات كما رأى بعض الرابيين اليهود (y. Sanh. 11.3)، لا تصل حتى غسل الأرجل! بالرغم من أهميّة فكرة التواضع هنا، ولكنّها ليست وحدها المحور الأساسي للحدث، لأنّ تواضع المسيح تجلّى في كلّ لحظة من لحظات التجسُّد.

إنّ نقطة الارتكاز كما أراها ههنا في الحدث تكمن في البداية إذ كتب القديس يوحنا: "يَسُوعُ وَهُوَ عَالِمٌ أَنَّ الآبَ قَدْ دَفَعَ كُلَّ شَيْءٍ إِلَى يَدَيْهِ". تلك إشارة محوريّة استهلاليّة لحدث غسل الأرجل، من القديس يوحنا، بالروح في الإنجيل، إلى سلطة الربّ يسوع؛ فكلّ سلطان وقدرة تحت تصرُّف الربّ يسوع، ولكنّه بالرغم من ذلك اختار أن يترك كلّ شيء وينزل ليغسل أرجل التلاميذ، الذين ولدهم في الروح للآب. بالرغم أنّ كلّ سلطان بين "يديه"، إلاّ أنّ "يديه" مالت نحو الأرجل لتمارس دورها في رحلة الإخلاء الكبرى.

إنّ مساحة الاتضّاع أو دعنا نقول الإخلاء بحسب تعبير القديس بولس (في2: 7) هنا هي أقصى مسافة ممكنة ما بين نقطتين؛ ملء الألوهة، أقدام الإنسانيّة. لا يوجد من البشر من يستطيع أن يهاجر من ذاته أبعد من هذا. لقد رسم لنا الربّ يسوع الطريق للملء بالإخلاء، أي طريق الامتلاء بالله، بأن نفرغ ذواتنا وننزل إلى أدنَى نقطة ممكنة كما فعل الربّ يسوع.

سلطة الربّ يسوع هي سلطة الألوهة بملء القدرة على تحقيق ما يريد مهما كان (اتساقًا مع طبيعته الصالحة)، وهنا اللاّفت والمبهر والذي يجعلنا نخجل من أنفسنا، أنّ استخدام السلطة تجلَّى في غسل الأرجل.

سلطة ملكوت الله في العلاقات الأخوية بين أعضاء الجسد تتجلّى في النزول لأسفل على شاكلة الربّ يسوع. هذا صعب للغاية!! وقاسٍ للغاية على العقل البشري الذي يريد أن يكون ممسك بزمام الأمور، ويمارس دور السلطة بشكلٍ يراه إيجابي. مثال المسيح يكشف لنا أنّ إدارة السلطة بشكل إيجابي أمر، وإدارة السلطة في دائرة ملكوت الله بشكلٍ إخلائي / ملكوتي أمرٌ آخر.

ليس خطأ أن تُمَارَس السلطة الإيجابيّة لضبط العلاقات ما بين أعضاء الجسد الواحد. ليس خطيئة، ولكنّها مرحلة تأتي ما قبل تجلّي شكل العلاقات في دائرة ملكوت الله. هنا مستوى آخر من إدارة السلطة، هناك معيار آخر في تطبيق السلطة. كان بإمكان الربّ يسوع كمدير للجماعة أن يطرد من يسبب إشكاليات للجماعة، ويسرق من أموالها، ويخاطر بوجودها؛ أقصد يهوذا. لن يلومه أحد. وإن كان أيٌّ منّا في مكانه وقام بهذا لن يلومنا أحد. هذا منطق الإنسان الطبيعي السوي. ولكن ملكوت الله ليس من هذا العالم، ولا يُدَار بهذا الشكل، كما يبدو من مثال يسوع. بالتأكيد لن نتمكّن من إدارة السلطة كما في ملكوت الله، كما الربّ يسوع، إن لم نكن منقادين بروح الله، لذا نميل للدرجة الأدنى؛ إدارة السلطة بالمجازاة وحدها. ولكن يبدو أنّ المجازاة وحدها لا تشفي، لا تُرَمِّم الإنسانيّة، لا تُعيد خلق الإنسان. مثال الربّ يسوع يقول لنا إنّه لا يدين؛ "لَمْ آتِ لأَدِينَ الْعَالَمَ بَلْ لأُخَلِّصَ الْعَالَمَ" (يو12: 47) .. لا يطرد .. ولكنّه يترك مساحة حرّة ليهوذا حتى يكتشف موقفه؛ إمّا يغادر، وإمّا يُشفَى. وليس هذا فقط؛ فقد كان ممّن غسل المسيح أرجلهم أيضًا (راجع: يوحنا ذهبي الفم، أغسطينوس). إنّ الوجود في دائرة المسيح لا يسمح بمن ليسوا "من الله" أن يبقوا حوله طويلاً؛ إمّا أن يغادورا أو يشفوا. لا يقدر الكلّ على تطبيق هذا النموذج، لأنّه إدارة روح الله في الجسد، وليس جميعنا خاضعين بعد لروح الله!!

غسيل الأرجل احتفال في الكنيسة، طقس يذكِّرنا بما يجب أن تكون عليه العلاقات، ولكن السؤال الآن، هل تذكَّرنا؟ هل شرعنا في ممارسة غسل الأرجل كمنهج حياتي علاقاتي في الجسد الواحد، أمّا أنّنا نكتفي بالذكرى الطقسيّة لحدث تاريخي، نعظِّم فيه اتضاع الربّ يسوع؟!!

وماذا عنّا؟!

حينما تسمع تلك الكلمات، ستجد نفسك تفِّكر في آخر لا يمارس هذا النوع من الإخلاء العلاقاتي!! ولكن تذكَّر أنّ كلام الإنجيل موجّه لك أنت، لا لتُمَرِّر الأفكار ولتنتقد موقف الآخرين متسائلاً لماذا لا يمارسوا هذا الأمر!! لا تحوِّل وجهة الكلام لتدِن آخر؛ ففعل المسيح موجّه لك أنت شخصيًّا ويجب أن تواجهه أنت، وتدُان أنت من قبل روح الله إن حِدت عن طريق أرجل الآخرين، وتطلب المزيد من إرشاد روح الله إن كنت على هذا الطريق تجتهد، ولكن مازال ينقصك الكثير ...

إنّها من المرّات القليلة جدًّا التي أوضح فيها الربّ يسوع أنّه يقدِّم مثالاً لكنيسته؛ "لأَنِّي أَعْطَيْتُكُمْ مِثَالاً، حَتَّى كَمَا صَنَعْتُ أَنَا بِكُمْ تَصْنَعُونَ أَنْتُمْ أَيْضًا." في الكثير من الأحيان كان الربّ يسوع يعلِّم، ويترك مساحة اكتشاف من المستمع للحقيقة بعد التفكير. ولكنّه في هذه المرّة خَتَمَ التعليم بتأكيده أنّ عليهم أن يصنعوا هكذا أيضًا، بكل وضوح ومباشرة، لا في دائرة الخدمة اللّيتوجيّة فقط، ولكن في دائرة العلاقات في الحياة ما بين الأخوة؛ فما يحدث في اللّيتورجيا هو نموذج لما يجب أن يُعاش في الحياة. هي ليست دائرة مغلقة من التطبيق التعبُّدي لمواسم وأحداث فقط!

بالتأكيد الميل البشري تنافسي ويريد أن يكون أعظم، في داخله، ولو في دائرة الأمور الروحيّة. ولكنّ المسار الذي نأخذه هو الذي يُحَدِّد شكل العظمة التي نبتغيها هل هي من الحقّ أم من العالم! فقد كتب القديس بولس؛ "لاَ تَنْظُرُوا كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى مَا هُوَ لِنَفْسِهِ، بَلْ كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى مَا هُوَ لآخَرِينَ أَيْضًا" (في2: 4).

على الجانب الآخر، إن طُبِّق مثال يسوع من دون الخضوع لروح الله وقيادته، سَيَتَحوَّل الأمر إلى مساحة فوضويّة من استخدام الحريّات بشكل خاطئ، لأنّنا أحيانًا ما نصمت عن اتّخاذ المواقف تجاه الخطأ بسبب الخوف، أو الخنوعٍ، أو إيثار السلامة، أو لمصلحة ما، وهنا يمكننا أن نستثمر موقف يسوع تحت أرجل التلاميذ بشكلٍ خاطيء لنبرّر موقفنا، وكأنّه حكمة غسل الأرجل العلاقاتي! دعنا نتذكّر أنّ يسوع الذي نزل ليغسل أرجل تلاميذه هو هو الذي وقف صارمًا في الهيكل أمام التعديات والتجاوزات في حقّ بيت أبيه. وحينما سُئل عن سلطانه في فعل هذا لم يُجب السائلين لأنّ قلوبهم لن تستوعب سلطانه.

إنّ هناك مركز لملكوت الله يجب أن يكون واضحًا لنا، يكمن في طاعة وإعلان الحقّ بالروح القدس، من خلال القوّة التي يمنحنا إياها حينما نحبّ بعضنا بعضًا. يبدو أنّ القديس بطرس استوعب جيّدًا درس المسيح له في حدث غسل الأرجل، إذ قال في رسالته للكنيسة؛ "طَهِّرُوا [اغسلوا] نُفُوسَكُمْ فِي طَاعَةِ الْحَقِّ بِالرُّوحِ لِلْمَحَبَّةِ الأَخَوِيَّةِ الْعَدِيمَةِ الرِّيَاءِ" (1بط1: 22). فما يطهِّرنا معًا أن نكون في طاعة للحق، وذلك من خلال فعل الروح القدس فينا الذي يفرز الحق من الزيف (1يو4: 6)، الذي يربطنا ببعضنا البعض بروابط حبٍّ ليس به شبهة رياء (الحبّ الخالص من شبهات أي مصلحة ذاتيّة). بمعنى آخر، حينما نسمع ونطيع الحقّ الذي يعلنه لنا الروح القدس، نستطيع إقامة روابط المحبّة العلاقاتيّة الملكوتيّة النقيّة، وهذا ما يجعلنا أطهار، ومن ثمّ أقوياء كجماعة.

لن تستطيع الكنيسة أن تقف أمام العالم لتعلن الحقّ بقوّة الحبّ، إن لم يمارس أعضاؤها إخلاء النزول لغسل الأرجل؛ الكلّ بعضه البعض، ولا سيّما من أُئتمنوا على سلطة روحيّة لعون المؤمنين. هذا يثبّتها في الحقّ، ويملأها بقوّة الجماعة المنقادة بروح الله، لتستطيع أن تواجه الفساد الذي في العالم "الهيكل الذي تحوّل إلى مغارة لصوص".

غسيل الأرجل، يوحّدنا، يقوينا، يربطنا، يمدِّد علاقاتنا إلى مستوى الرُّوح، ينضجنا، يربطنا كيانيًّا بالمسيح، يكشف ما فينا، يغسلنا، يضبط بوصلة أبديتنا في الاتجاه الصحيح، يرسِّخ فينا مفهوم الإخلاء.

لقد كانت كلمات الربّ يسوع صادمة لبطرس إن لم يقبل أن تغسل رجليه، إذ سيفقد إمكانيّة الشركة مع المسيح! الأمر جلل إذًا! يبدو أنّ المعنى أنّ من لا يقبل أن تكون شركته مع أخوته على قياس غسل الأرجل، لن يستطيع أن يكون شريكًا للمسيح؛ من لا يشاركه في إخلائه، لن يشاركه في مجده! ولعلنا نتذكّر أنّ بطرس لم يستطِع وقتها أن يرافقه في دار الولاية لأنّه هرب ناكرًا معرفته أمام جارية! شركة الإخلاء والألم ليست سهلة، ولكن لا طريق من دونها!

ولكن بالطبع، غسل الأرجل ليس للتطبيق الحرفي فقط، ولكنّه منهج روحي بالأساس؛

فحينما تتأن على المخطئ وأنت تملك سلطة الإبعاد فأنت تغسل الأرجل

حينما تغفر للمسيئ إليك وتضعه في الصلاة ساجدًا طالبًا له النعمة فأنت تغسل الأرجل

حينما تستمع لمن يحتاج أن يتكلّم ويُخْرِج ما في قلبه (لا على سبيل الثرثرة) فأنت تغسل الأرجل

حينما تجلس مع الأشخاص الأقل جاذبيّة؛ المرضى وكبار السن، ولا يربط بينكم أي رابط حواري، وتحتمل أن تكون برفقتهم فأنت تغسل الأرجل

حينما تحتضن المظلوم برقّة التفهُّم وتساعده على التحرُّر  من رغبة الانتقام أو استمراء دور الضحيّة فأنت تغسل الأرجل

حينما تحاول وتبذل جهد في فهم الآخر وموقفه دون التشبُّث بموقفك وقناعتك ورأيك فأنت تغسل الأرجل

حينما تسعى من أجل وحدانيّة الجسد على أساس المسيح الرّاسخ فأنت تغسل الأرجل

حينما تنسحب رويدًا رويدًا عمَّن صرت لهم مركزًا في حياتهم ليُعَاد ربطهم بالأصل والمصدر؛ الربّ يسوع، فأنت تغسل الأرجل

لا أريد أن أحصر فعل غسل الأرجل في أشياء بعينها، تلك مجرّد أمثلة، فالروح يدرّب كلّ عضوٍ منّا على تطبيق غسل الأرجل في دوائره الشخصيّة بما يمنحه الروح من إمكانيات لذلك ...

ولكن، ما سرّ الأرجل هذا؟

حينما أراد المسيح أن يؤسِّس شكل علاقاتي يعبِّر عن ديناميكيّة الحياة بين أعضاء الجسد الواحد بين الأخوة، نزل ليغسل الأرجل. وحينما انتصر بالصليب قائمًا في مجد، وصعد ليجلس عن يمين أبيه، أعلن الكتاب أنّه سيضع في النهاية أعداؤه موطئًا لقدميه (عب10: 13) كتحقيق لنبوّة داووديّة قديمة في (مز110: 1). وحينما تصلّي الكنيسة في ختام صلوات البصخة، وتطلب نصرة المسيح، تطلّب أيضًا أن يسحق الشيطان تحت أقدامنا؛ "نصرخ قائلين: يا ربّنا يسوع المسيح الذي صُلب على الصليب، اسحق الشيطان تحت أقدامنا". ويوحنا المعمدان بحث عن صورة ملائمة لقدرة المسيح ومكانته بالنسبة له قال إنّه لا يستحق أن ينحني ويحلّ سيور حذائه (وهو دور الخادم في المعتاد). يبدو أنّ هناك معركة ما أراد المسيح أن ينتصر فيها، ويعلّمنا سرّ نصرتها. وكأنّ الرسالة الإلهيّة تعلن من خلال غسل الأرجل أنّ من يستطع اكتشاف الكيفيّة الملائمة للتخلي الطوعي عن آليات ممارسة السلطة باستخدام القوّة، خادمًا أخيه، سيمتلك القدرة أنّ يسحق الشيطان تحت قدميه، وينال نصرة هائلة. إن هجرنا ذواتنا صوب أرجل من حولنا (انتبهنا إلى احتياجهم)، سُحقت كلّ قوى الشرّ تحت أقدامنا. يبدو أنّ هذا هو الطريق للذين يبتغون النصرة.

رجائي منك، بكلّ  لطف المسيح وصوته الحاني، ألاّ تستمرئ دور الضحيّة أنّ أحدًا لم يكتشف سرّ الوصول إلى قدميك، لأنّنا سنقف أمام الله وسيسألنا لماذا لم تكتشفوا طريق خدمة الآخرين؟ ولن يسألنا لماذا لم يخدمكم الآخرين؟!! إن سمحنا لفعل المسيح أن يواجهنا بما يجب أن نقوم به، تركنا له المساحة لإرشادنا، ولكن إن حوّلنا وجهة تفكيرنا نحو آخرين من قادة أو خدّام أو رعاة، فقدنا فرصة ثمينة في رحلة نمونا الشخصي ...

أخيرًا، لنتذكَّر أن غسل الأرجل يأتي قبل العشاء السرّي؛ فتطهير القلب بالمحبّة الباذلة يأتي قبل الشركة الإفخارستيّة؛ فالقدسات للقديسين الذي عرفوا طريق القداسة خلف القدّوس ... هذا هو درسه لنا؛ فتدرُّبنا على درب الإخلاء يساعدنا على اتحادنا بمن أخلى ذاته ليرفعنا إلى أبيه ...