الدراسة المشعة بالفرح


يكتب القديس بطرس في رسالته الأولى: ”قَدِّسُوا الرَّبَّ (الإِلهَ) فِي قُلُوبِكُمْ، مُسْتَعِدِّينَ دَائِمًا لِمُجَاوَبَةِ (ἀπολογίαν) كُلِّ مَنْ يَسْأَلُكُمْ عَنْ سَبَبِ (منطق λόγον) الرَّجَاءِ الَّذِي فِيكُمْ، بِوَدَاعَةٍ وَخَوْفٍ.“ (1بط3: 14-15).

نتوج اليوم جَهد ثلاث سنوات من الدراسةِ بتخرج الدفعةِ الأولى من ماجستير الدراسات اللاهوتية من جامعة Agora بالتزامن مع بدء الدراسة لعام جديد واستقبال دفعة جديدة بملء الأمل.

في هذا اليوم أريد أن أفكّر معكم في الهدف الأساسي من تلك الرحلة التي سرتم على دروبها.

إننا كثيرًا ما ننغمس ونغرق في التفاصيل التعليمية والإدارية، دون أن نستعيد المعنى الكلّي، أو الجذر المُحَرِّك لتلك الرّحلة الدراسية. والذي يمكن أن نختزله في السؤال: لماذا نَدْرِس اللاّهوت؟

هو السؤال الذي كانت إجابتكُم العمليّة عليه ثلاث سنوات من الاجتهاد المتواصل، وقد تخطيتم عقبات كثيرة للوصول لهذا اليوم.

الدراسة هي وسيلة فعّالة تُصقل واحدة من الفنون الحياتيّة اللاَّزمة لحياتنا وسعينا؛ وهي ليس كما قد نعتقد، فنُ التفكير، ولكن هي فنُ الإصغاء لآخر. الدراسة تدرّبنا على أن نُفَعِّل تلك المَلَكَة التي قد تكون مُعَطَّلة بأوهام مركزيّة الذات، وشعورَها أنّها إمّا العارفة بكلّ شيء، أو العارفة بقدرتها أن تعرف كلّ شيء حينما تحتاج لذلك، وأنّها وحدها تملك من صحّة المعيار ما يؤهِّلها لتقييم كلّ شيء وكلّ أحد!!

في الدراسة الأكاديميّة وخاصّة اللاّهوتيّة، الإصغاء من أفعال الإخلاء للامتلاء ...

حينما نُصغي إلى الكتاب الذي نطالِعَهُ، أو المحاضر الذي يحاضِرُنا، أو الأستاذ الذي يعلّق على ورقاتنا الأكاديميّة، ندرك أننا جزءٌ من كلٍّ، وأننا جئنا إلى هنا لنسمع ونحاور من أجل البناء، لا من أجل تثبيت صورة ذهنية نراها في أنفسنا لدى أعضاء الجامعة أو أخوتنا الطلبة، أو نشعر بإهانة حينما لا ترقَى أوراقنا للمستوى المطلوب.

نحن هنا لنصغي لكيما نتقدَّم خطوة في تأسيس قاعدتنا المعرفيّة (الإبستمولوجيّة) وليس فقط القاعدة المعلوماتيّة. هناك تفاوت ما بين الأساتذة بكلّ تأكيد، ولكن الفن يكمن في قدرتك على الاستفادة من كلّ أستاذ فيما يملك، لا على تقييمه على ما لا يملك.

على الجانب الآخر، لا يُقَيِّم أستاذ المادّة العمل المُقَدَّم بالجَهد الذي تبذُله فقط، ولكن ببذل الجَهد في المسار الصحيح على أساس من الإصغاء الجاد. تلك الرحلة من الإصغاء والبناء تساعدنا على شعور يجب أن يترسّخ لدينا وهو أنّنا لن نكتمل وحدنا، فالاكتمال يكمن برفقة آخر. تلك من أساسيات أخلاقيات العالم الأكاديمي؛ البِناء على آخر.

لذا فكل حركة لا تبدأ بإصغاء عُرضة للتيه والتردد والتعثر، وهي محكومة بقانون المصادفة.

من هنا ندرك أنّ دراساتنا اللاهوتيّة إن سارت في الاتجاه الصحيح يمكن أن نراها كفعل إيماني أصيل يعلن أنّه ثمّة حقيقة تتجاوزنا، وتتجاوز من يحيط بنا. هذا الفعل الإيماني يشهد أنّنا لسنا مرضى بالذات المكتفية، بل متأهبين للمغامرة في اكتشاف عوالم جديدة والمخاطرة بترك عالمنا الضيق سعيًا وراء الحقيقة.

لهذا جئنا للدراسة؛ لأننا لا نكتفي بمعاينة البحار من على الشطوط، ولكننا نريد أن نكتشف الأعماق لأن لنا فيها حياة ...

دراستنا أيضًا هي شهادة على عطيّة العقل الإنساني، والمنطق الإنساني كهبة يمكنها أن تخدم الصلاح في العالم. كل تصوّر قَبِلناه، قبلاً، يرى العقل والفكر والمنطق كغواية شريرة هو تجديف ضمني على خيريّة الخالق.

دورنا أن نكتشف قيمة العقل والمنطق في اللوجوس الإلهي، وهو ما لا يتطلب بالضرورة، كما يتوهّم البعض، التخلي عن مركزية الله في الحياة. يمكننا أن نستثمر عقولَنَا لخدمة الحقيقة الأبعد ممّا هو مادي. بهذا نشهد أنّ القداسة ممكنة بكلّ عطايا الله لإنسانيتنا. إن اختُتن العقل من مركزيَتَهُ ووهمُه بتملُّك الحقّ دون سواه، أمكنه أن يخدم الحقيقة، ويصير فعَّالاً في ملكوت الله. وهنا يمكن النظر للدراسة كعمل نسكي نتعلّم فيه ضبط النفس، ونروِّض فيه الذات، وننفق الوقت والجَهد والمال من أجل قيمةٍ أعلى.

في الدراسة نتدرّب على كيفيّة التعامل مع أخطائنا، لا كنهايات تعبّر عن الفشل، ولكن كمحطّات من أجل تصحيح المسار والنهوض بقوّة أعظم. نتدرّب على شجاعة مواجهة مخاوفنا حينما تكون قيمتنا في أعين أنفسنا ضئيلة ومهتزة. شغفُنا للنمو والنضوج والمعرفة الحقيقية يساعدنا على تخطّي شعورنا بالعجز حينما نفشل في ورقة بحثية أو في تقييم أحد الأساتذة. في الرحلة نتدرّب على التجاوز والنهوض، ولنا في قيامة المسيح علامة على إمكانيّة تجاوز كل فشل وإخفاق.

أخيرًا، سرّ الفرح في دراستنا اللاهوتيّة هو الإيمان بأنّ هناك رحلة اكتشاف لمعنى أبعد من المنظور، نختبره، نتذوقه، ندرك حضوره. متعتنا في رحلة الاكتشاف ... فهناك جديد كلّ صباح ... حياتنا لن تكون ضحلة ولا مملة ... هناك معانٍ، ومفاهيم، إن ترسّخت فينا، أمكننا أن نَطْرُق أبوابَ خبراتٍ أعمق من تصوراتنا ... ولكنّها رحلة بكل ما في الرحلة من مشقة وفرح ..

هي رحلة لا تنتهي بالتخرُّج ولكنّها نتتقل لدائرة أخرى من العمل؛ وهو زرع الرجاء والأمل والفرح والمعنى فيمن حولكم بما قد تحصّلتم عليه في دراستكم ...

وصيّة الربّ يسوع أن نخرج للعالم أجمع ... فمَنْطِقوا أَحْقَائِكَم للعمل في ملكوتٍ لا يزال العاملون فيه قِلَّة...

قوموا كبني النور لتمجّدوا الله في العالم ... ولتكونوا نورًا صافيًا، من نوره، على منارةٍ ...

ليكثر بكم الشكر والحمد لله الآب الذي له المجد مع ابنه الحبيب والروح القدس إلى دهر الدهور. أمين.


كلمة تخرج الدفعة الأولى لطلبة ماجستير العلوم اللاّهوتية - جامعة أجورا - سبتمبر 2019