الصعود الإلهي


بينما يشخصون إليه جميعهم صعد إلى السَّموات بمجدٍ، جيش العُلويين خرج قدَّامه. داود رتَّلَ قائلاً: ارفعوا أيها الرُّؤساء أبوابكم كي يدخل فيها ملك المجد. السَّمائيون أجابوه قائلين: من هو ملك المجد، رب القوَّات هو ملك المجد

عن الدفنار [صعود البندكوستي]


بدأت الرواية بالبحث عن ملكٍ مولودٍ في أورشليم. الجميع ينظرون حولهم. الرعاة والمجوس يطوفون طالبين معاينة المولود الفائق. وها هي الرواية تصل بنا إلى جبل الزيتون. يقف الرب يسوع وسط تلاميذه وأحبّائه، ويطالبهم بالانطلاق بقوة الآتي، لينثروا نورًا قياميًّا، وليبذروا بذرة الحياة الجديدة غير المائتة في القلوب المحاصرة بحاجات الدنيا وآلامها. لم تقتصر الإرساليّة الآن على تخوم اليهوديّة القريبة، ولكنّها امتدت للعالم أجمع.

اذْهَبُوا إِلَى الْعَالَمِ أَجْمَعَ 

وَاكْرِزُوا بِالإِنْجِيلِ لِلْخَلِيقَةِ كُلِّهَا. 

(مر16: 15)

وإذا به يرتفع إلى فوق، وترتفع الأعين؛ تلك الأعين التي ارتفعت، تشخص في ذهول، في حيرة، في تساؤل باطني: وماذا بعد؟

وها هما الملاكان يبشرانهم بأنّ للرواية خاتمة بمجيء الربّ منتصرًا راكبًا على سحاب المجد، ليُستعلن ربًّا وإلهًا وملكًا على الكلّ، وليخضع له الكلّ عيانًا بيانًا، بعد أن أخضع له الكلّ في السماويات.

وَأَخْضَع كُلَّ شَيْءٍ تَحْتَ قَدَمَيْهِ،

وَإِيَّاهُ جَعَلَ رَأْسًا فَوْقَ كُلِّ شَيْءٍ لِلْكَنِيسَةِ. 

(أف1: 22)

إنَّنَا الآنَ لَسْنَا نَرَى الْكُلَّ بَعْدُ مُخْضَعًا لَهُ.  

(عب2: 8)

ولكن الأعين القلبيّة التي طالما اطمأنت لقربى الربّ يسوع مازالت إلى فوق متطلّعة. نتطلّع إلى فوق؛ لأنّه هو الرأس، والأعضاء يحرّكها الرأس لخدمة ملكوته. في الكنيسة الأولى ترك البعض كلّ شيء، وترقبوا مجيئه، ونظروا إلى فوق (2تس2: 1-2)، لأنّهم لم يعلموا الأزمنة التي جعلها الآب في سلطانه وحده. ولكن بولس المُلْهَم، المتعلِّم من الله، كان يؤمن أن علينا دورًا الآن قبل مجيئة، علينا أن نُعَلِّم العالم كيف ينظر إلى فوق، ويؤمن بذاك الذي هو فوق المحدود، وفوق المرئي، وفوق المدرك، ومع ذلك جاءنا في صورة عبدٍ فقيرٍ.

إلى فوق، انطلق الربّ، وثبّت رجاء الكنيسة فيما ليس من العالم، ولكنّه من أجل العالم. نزلت الكنيسة، بقوة القيامة والرجاء، إلى طرقات المدن، والقرى، جابت البحار، وطافت الوديان، وهي تشير - بالكلمة والحياة، بالسرّ والإعلان، بالآية والتعليم - إلى ذاك الذي هو فوق، والقادر أن يرفع من هم له، إلى فوق؛ فوق مخاوف الدهر الحاضر.

وَأَمَّا هُمْ فَخَرَجُوا وَكَرَزُوا فِي كُلِّ مَكَانٍ، 

وَالرَّبُّ يَعْمَلُ مَعَهُمْ وَيُثَبِّتُ الْكَلاَمَ بِالآيَاتِ التَّابِعَةِ.  (مر16: 20)

قديمًا، ارتفع أخنوخ، وسار مع الله، لم يوجد فيما بعد وسط أقرانه؛ فالفضيلة غريبة عن عالم السقوط، هذا هو درس أخنوخ المفارق عالمه.

 وَسَار أَخْنُوخُ مَعَ اللهِ، 

وَلَمْ يُوجَدْ لأَنَّ اللهَ أَخَذَهُ. 

(تك5: 24)

بينما الربّ يسوع، ارتفع؛ ليعلن لنا نصرته، كابن لله، لينقل نصرةً لنا، أو بالحري، لينقنا إلى موضع النصرة، عن يمين أبيه.   

وَأَقَامَنَا مَعَهُ، وَأَجْلَسَنَا مَعَهُ فِي السَّمَاوِيَّاتِ 

فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ.  

(أف2: 6)

هو يعلن الآن عن دعوة جديدة نختبر فيها قوّة قيامة ملكوتيّة من هنا والآن؛ فمن مات وقام في المسيح، في المعموديّة، طُعِّمَ عضوًا في جسده الحيّ، وقَبِلَ مُلْكَ السيّد والربّ منذ الآن.

هو جاء ليبدأ مُلْكًا من هنا والآن، ليطلق القائمين فيه، ليعلنوا بدايةً يمكن من خلالها أن يختبروا - كعربون - جمالات الدهر الآتي، وقوّة الحياة الجديدة ونعمتها، بحسب التدبير. الآن، يمكننا أن نصلي، برجاءٍ حيّ:

ليأت ملكوتك، لتكن مشيئتك، كما في السماء، 

كذلك على الأرض. 

(لو11: 2)

لقد لفت الربّ انتباهنا حينما قال: من يضع يده على المحراث لا يجب أن ينظر إلى الوراء، وإن نظر، لا يصلح لملكوت الله (لو9: 26). من يَحْيَ الملكوت، فعليه أن يشخص إلى فوق، ومن فوق يسهم في بناء ملكوت الله؛ كبنّاء حكيم.

ارتفع إيليا قديمًا في مركبة ناريّة وسط شخوص تلميذه إليشع، والذي تألَّم لمفارقة المعلِّم.

وَفِيمَا هُمَا يَسِيرَانِ وَيَتَكَلَّمَانِ، 

إِذَا مَرْكَبَةٌ مِنْ نَارٍ وَخَيْلٌ مِنْ نَارٍ فَصَلَتْ بَيْنَهُمَا، 

فَصَعِدَ إِيلِيَّا فِي الْعَاصِفَةِ إِلَى السَّمَاءِ.  

(2مل2: 11)

ولكن ارتفاع الربّ يسوع لم يكن مفارقة، ولكن رباطًا، جسرًا، صِلَةً؛ ليعبر من خلاله أولئك الذين آمنوا وقَبِلوا جدَّة الحياة، إلى فوق. صعوده إلى السماوات منحنا القدرة أن ”نرفع عيون قلوبنا نحوه“ (عن تحليل رفع بخور باكر)، لأن مركز الرجاء صار فوق، ومركز وجودنا الجديد كأبناء صار فوق.

لقد رفع ربنا يسوع نظره إلى السماء من قبل، وهو حاملٌ في يديه الطاهرتين اللتين بلا عيب ولا دنس، الطوباويتين المحييتين، الخبز؛ ليقدّمه لنا جسدًا مُحْيِيًا.

ونظر إلى فوق نحو السماء، 

إليك يا الله، 

أباه وسيّد كل أحدٍ.  

[صلوات التأسيس / أنافورا القديس كيرلس]

ولهذا، فيه، أمكننا الآن أن نرفع عيوننا إلى البهاء المقدّس، بالبنوة الممنوحة لنا بغنى الله، وصلاحه، ولطفه الفائق من نحونا.

يا مَنْ فتح أعين العميان افتح عيون قلوبنا. 

إذ نطرح عنا كلّ ظلمة الشر، 

والخبث الذي شبه الدنس.

ونستطيع أن نرفع أعيننا إلي فوق 

نحو بهاء مجدك القدوس. 

[قسمة للآب / أنافورا القديس كيرلس]


وأيضًا فلنشكر الله ضابط الكلّ، 

أبا ربنا وإلهنا ومخلصنا يسوع المسيح

لأنّه جعلنا أهلاً الآن أن نقف 

في هذا الموضع المقدّس 

ونرفع أيدينا إلى فوق، ونخدم اسمه القدوس.

[مقدّمة القسمة]

لقد صعد إلى العلاء، لنصعد، مادمنا قد قَبِلْنَا أن نكون به وفيه. لم يتركنا يتامى نتحسَّر كإليشع، ولكنّه وعد بروحه الذي يسكن فينا. روحه يرفعنا من دائرة الفراق إلى آفاق اللقاء الأعمق. لم يتركنا لألم الغياب، ولكنّه نقلنا بسكنى روحه القدوس، إلى عناق داخلي، واتّحاد صميمي، يفتح آفاق الزمان والمكان، لمعاينة الذي هو فوق الزمان والمكان. صار إدراكنا وقبولنا لحضور الله أعمق من قبل، بحسب التدبير، مادامت  قلوبنا ساجدة لعمله الفدائي. 

لقد أعلن الربّ عن نفسه خبزًا نازلاً من السّماء، من يأكله يَحْيَ به إلى الأبد، ولا يبق تحت سلطان الموت. الآن، يمكننا أن نفهم من خلال صعوده المزلزل، وسط أبواق العلويين، أنّ من يتناول من خبز الحياة، من جسد الربّ، يرتفع به إلى فوق. الحياة إلى الأبد، ليست من مفردات عالمنا، بيدْ أنّ أولئك الذين ارتفعوا فيه، منتصرين بالقيامة، من خلال الاتّحاد بالمسيح القائم، يمكنهم أن ينالوا تلك النعمة الفائقة. ويرفعوا أصواتهم مع غير المرئيين منشدين:

قدوس ... قدوس ... قدوس

عن كتاب نحو الله - الجزء الثالث