روحانية الأنا


ذات يوم وأنا برفقة أحد سائقي أوبر في أمريكا، وبينما نحن متجهون إلى برنستون Princeton، دار بيننا حديث حول مفهوم الكنيسة. سألته، في إطار هذا الحديث المطوّل، عن كيفيّة اختياره للكنيسة التي يصلي بها، كانت إجابته: ˮأنا أشعر بالرَّاحة في هذا المكان“ I feel comfortable in that place!

في المقابل، قال لي تيلو Thilo ذات يوم، وهو شخص أمريكي الأصل انضم للكنيسة القبطيّة منذ عدّة سنوات، أمرًا مخالفًا تمامًا. لقد كان تيلو من الذين أدمنوا المخدرات لمدّة 17 عامًا من حياته، وكان بعيدًا كلّ البعد عن الله، وقد سقط في غياهب الإلحاد مبكرًا. كانت له قصّة طويلة مع الدخول في الإيمان، ليس موضعها الآن ههنا، ولكن ما يعنيني هو أنّه حينما دخل الكنيسة لأوّل مرّة رحّب به الأب الكاهن آنذاك وقد دعاه ليحضر فترة، فإن استراح للكنيسة يمكنّه وقتئذ أن ينضم للموعوظين استعدادًا للمعموديّة. كان ردّه صادمًا للأب الكاهن آنذاك، ولكثيرين. لقد قال له: عذرًا، إنّ كان هنا الحقّ، فسأبقى دون النظر إلى شعوري بالراحة من عدمه، وإن لم يكن هنا الحقّ لن أبقى وإن كنت أشعر بالراحة في هذا المكان!

هنا نحن أمام موقفين متناقضين في التعامل مع الحياة المسيحيّة. أحدهما يضع المعيار هو الشعور، والآخر يتجاهل الشعور لحساب القناعة بالحقيقة.

مرّت فترة، كادت لا تخلو جلسة لي مع أحد متحدّثًا عن التحديات الروحيّة التي يمرُّ بها، إلاّ وأجده يقول لي: لا أشعر أني أحبّ الله كما اعتدت! لا أشعر أنّ الله يحبني فيما بعد! لا أشعر بحضور الله في حياتي! لا أشعر أنّ الله يسمع! لا أشعر أنّ الله يستجيب! لا أشعر بطعم الصلاة كما اعتدت! لا أشعر بالرغبة في العمل الروحي كما كنت سابقًا! ... إلخ. وكما هو واضح أنّ العبارة المتكّررة على ألسنة الجميع هي: ”لا أشعر!“

قرَّرت وقتها أن أرجع للكتاب المقدّس لأتوقَّف على حقيقة ”لاهوت المشاعر“ المنتشر في الحوارات والنقاشات المسيحيّة والذي يُشَكِّل القاسم الأكبر من شكاوى السائرين على الطريق. أردت أن أتعرَّف بوضوح على مقوماته، ومسبباته، ونتائجه. بدأت البحث بشكل مبدأي عن كلمة ”أَشْعُر / شَعَرَ“ ومشتقاتها في العهد الجديد.

كانت المفاجأة الأولى، أني لم أجد سوى عدد واحد فقط في العهد الجديد وردت فيه تلك الكلمة في سياق قريب من السياق المستخدم في حواراتنا المسيحيّة (أو هكذا بدا لي)، وذلك في الترجمة العربيّة البيروتيّة التي بين أيدينا. هذا العدد ورد في (1كو4: 4) إذ يقول القديس بولس: ”فَإِنِّي لَسْتُ أَشْعُرُ بِشَيْءٍ فِي ذَاتِي. لَكِنَّنِي لَسْتُ بِذَلِكَ مُبَرَّراً. وَلَكِنَّ الَّذِي يَحْكُمُ فِيَّ هُوَ الرَّبُّ“. قلت في نفسي لأوّل وهلة، ها هي الكلمة موجودة ممّا يدل على أنّ الفكرة واردة، ويمكن البناء عليها. رجعت للمعنَى السياقي contextual meaning لهذا العدد ولكن لدهشتي وجدت أنّ ما يتحدّث عنه القديس بولس في هذا العدد يختلف عن سياق استخدامنا للكلمة بل هو مضاد لاستخدامنا لهذه الكلمة!

ما الذي كان يقصده القديس بولس بالضبط؟ هذا هو السؤال الأوّل الذي يجب أن نتوقَّف عنده.

إنّ القديس بولس يعلن هنا أنّه لا يشعر أنّه قد أخفق في شيء في دعوته وخدمته المسيحيّة، لقد كان أمينًا قدر ما يستطيع، ولكنّه لا يرى هذا الأمر مُبَرِّرًا لذاته، لا يرى نفسه بريئًا في عيني الله بسبب تقواه الذاتيّة، لأن القياس يجب أن يكون إلهيًّا، والحُكْم هو لله الفاحص القلوب مهما كان فحصنا لحياتنا دقيقًا.

إذًا، يتحدّث القديس بولس ههنا عن شعوره بواجباته، هذا النمط الشعوري هو نمط إيجابي، هو فحص للذات، ولكن ما يجب أن يستوقفنا هو أنّ ما يشعر به ليس هو المهم، ولكن حكم الله هو الفاصل في هذا الأمر. هو يريد أن يرسِّخ في وعينا الروحي أنّ مشاعرنا قد تخدعنا، وقياساتنا قد تكون خاطئة، لذا فالحكم هو الله.

وحينما بدأت أرجع للكلمة اليونانيّة الأصليّة لأفهم أبعاد هذا الشعور، بشكل عام، وجدت أنّ الكلمة الواردة في النصّ اليوناني هي σύνοιδα (synida)، وبالرجوع لمعنى الكلمة في القواميس المختلفة وجدت أنّها تعني الوعي / الإدراك awarness وأحيانًا تستخدم لتعطي دلالة المعرفة knowledge!   

إذًا، الكلمة لا علاقة لها بالمشاعر أو الشعور كما نفهمها حاليًّا بأي شكلّ من الأشكال!! كانت تلك هي المفاجأة الثانية!

إذًا يمكننا فهم قصد كلمات القديس بولس بحسب الترجمة الأكثر تعبيرًا عن دلالة الكلمة اليونانيّة؛ إذ نجد أنّ القديس بولس يشير إلى أنّ إدراكه بذاته أو وعيه بذاته أو معرفته لذاته بمثابة فحص داخلي من جهة أمانته للخدمة، إذ يرى أنّه لم يكن مُقَصِّرًا في إتمام خدمته المسيحيّة، ولكن هذا الوعي أو الإدراك أو المعرفة ليست كافيّة، إنّه ليس بريئًا بسبب هذا الإدراك الذاتي، لأنّ الإنسان بشكل عام - كما قال في موضع آخر - ينظر في مرآة في لغز (1كو13: 12)، كلّ معارفه جزئيّة، هي بعض المعرفة، ونحن في حاجة على الدوام لحَكَم يستطيع أن يرى كلّ شيء، ويَحْكُم بعدلٍ، ويرصد القلب والنيّة والحياة والأفعال معًا؛ نحتاج لله ليفحص أعماقنا.

إذًا، هذا العدد الوحيد في العهد الجديد الذي يحتوي كلمة الشعور في سياق مقارب لا يجعل من الشعور مركزًا للحياة الروحيّة ولا القياس الروحي ولا الحكم في الأمور، كما أنّ كلمة الشعور تعني بالأساس ههنا الوعي والإدراك والمعرفة وليست المشاعر ...

واستمرّ البحث عن تلك كلمة المشاعر بين ضفاف الكتاب ...

لقد وجدت بعض الأعداد هنا وهناك في العهد الجديد تتحدّث عن شعور الربّ يسوع بما كان يفكّر فيه من حوله (انظر على سبيل المثال: مر2: 8؛ لو5: 22). هنا ارتبط الشعور بالفكر؛ لأنّ القلب في الوعي العبراني والثقافة الآراميّة السائدة في زمن المسيح هو مركز الإنسان كُليَّةً؛ فالفكر ينبع من القلب بحسب الوعي العبراني. ولكن حتى في تلك المرّات التي ورد فيها الحديث عن شعور الربّ يسوع جاءت الكلمة ἐπιγνοὺς (epignos) (كما في مر2: 8 على سبيل المثال) والتي تعني يلاحظ / يرى / يدرك / يعرف. الكلمة لا ترتبط بالمشاعر أيضًا!

هنا وقد يتبادر إلى ذهنك التساؤل: هل تلك محاولة لإسقاط المشاعر من حساباتنا الروحيّة؟

كلاّ بالطبع، إنّ هذا البحث لا يستهدف إسقاط المشاعر من الحسابات الروحيّة، ولكن بالأحرى وضع المشاعر في المكان الصحيح في تكويننا المسيحي؛ فهي مهمة ولكنّها ليست قياسيّة، هي ضروريّة ولكنّها ليست دائمة، هي مفرحة، ولكن غيابها لا يعني بالضرورة غياب الله!

إنّ الكثير من الإشكاليات الروحيّة التي نعاني منها لا يأتي نتيجة نقص المعرفة، ولكن نتيجة خلط المعرفة بأن نضع مفاهيم صحيحة، ولكن في أماكن خاطئة في بنية وعينا الروحي. هذا يعرّض كلّ البناء للخطر.

أعتقد أنّ الكثير من الاضطرابات الروحيّة يرتبط بما يمكن أن يُسَمَّى بـ ”روحانيّة الأنا“! حينما تكون الأنا واختبارها ومشاعرها هي المركز من الروحانيّة التي تتشكّل في وعينا وتُشَكِّل وعينا.

ولكن، ما هي روحانيّة الأنا؟

روحانيّة الأنا هي الروحانيّة التي تجعل من مشاعري هي المركز من تبعيتي للربّ يسوع! حينما تفور المشاعر، تزداد الحماسة الروحيّة للتبعيّة، وتزداد الرغبة في التبعيّة، وتزداد القدرة على اتّخاذ القرار بالتبعيّة، وتزداد القدرة على تحمل مشاق الطريق في التبعيّة ... إلخ. ولكن حينما تخمد المشاعر أو تفتر، تتجمَّد الحياة الروحيّة، ويبدأ التردُّد والتراجع يحيط بالقلب والفكر والحياة والدعوة والعلاقات والمسار والمسيرة بأكملها. يمكن لشخصٍ ما أن يكون على استعداد أنْ يعطي حياته بأكملها لله في لحظة المشاعر المُحَلِّقة، وفي اللَّحظة التالية حينما تَصْمُت المشاعر، يَتَشَكَّك حتى في وجود الله نفسه، ويَتَشَكَّك فيمَنْ حوله، ويتَشَكَّك في دعوته، وفي اختباراته السابقة ... إلخ.

أيضًا، روحانيّة الأنا هي روحانيّة استهلاكيّة تريد أن تتواجد في المكان الذي تستفيد منه شعوريًّا فقط، ولا تراعي التواجد في المكان الذي يجب أن تخدم فيه؛ لأنّ للربّ شعبًا في تلك البقعة، لأنّ مركزها الأنا.

روحانيّة الأنا تدفع الإنسان ليصَلي فقط حينما يكون الشعور دافقًا، ومن ثم لا يستطيع أن يصمد في الصلاة حينما تخفت المشاعر. هي تجعل تقييم الصلاة بحجم المشاعر، وليس بقدر الإخلاص والصدق. هي تدفع الإنسان ليبحث على الدوام عمّا يدغدغ المشاعر لتقتنع أنّها تصلّي، فتهدأ. ليس خطأً أنّ تتحرّك المشاعر في الصلاة، وأن يسعى الإنسان لأنْ يتواجد في المكان الذي تتحرّك فيه المشاعر بشكل حقيقي وليس زائف بالطبع، ولكن الخطأ هو ألاّ يستطيع الصلاة، وألاّ يصدِّق أنّه يصلي حينما تخفت المشاعر.

روحانيّة الأنا تتراجع أمام تحديات الألم التي يرفع الإنجيل لوائها لكلّ السائرين على الطريق؛ لأنّها تريد التمتع فقط في الحياة مع الله، ولا تقبل بالإخلاء الذي قد يكون مؤلمًا. روحانيّة الأنا هي روحانيّة لا تقبل أن تُدْفَن في الرمال كحبّة الحنطة؛ إذ تريد على الدوام أنْ تَنْعَم بالثمر من أوّل يوم! روحانيّة الأنا هي روحانيّة غير مسؤولة، وغير ملتزمة، وترفض الأمور الصغيرة، ولا تقنع بالتفاصيل المضجرة المملّة مع أنّها ضروريّة للآخرين. روحانيّة الأنا تكتفي دائمًا بأن تظل مخدومة من الآخرين، تريد دائمًا أن تتلقّى، وهي على الدوام تُقَيِّم وتُنَظِّر على مَنْ يخدمها. هي روحانيّة متذمّرة على الدوام لعدم وجود قدوة على قدر أحلامها، متناسية أنّها يجب أن تكون هي قدوة لآخرين. روحانيّة الأنا تتحمَّس كثيرًا وتعمل قليلاً، تندفع كثيرًا وتستمر نادرًا، لذا فروحانيّة الأنا هي روحانيّة غير ناضجة. روحانيّة الأنا منشغلة برأي الناس فيما تعمل، وتدفع الإنسان ليتحرّك وليتواجد في المكان الذي يستقطب أكبر عدد من القبول والرضا، لذا فهي روحانيّة كميّة وليست نوعيّة.

روحانيّة الأنا تريد التبعيّة ولكن مع البقاء في دائرة الأمان! نعم، فهي تعلن للمسيح: أتبعك أينما تمضي، ولكنّها تأبى القبول بالحركة مع مسيح ليس له أين يسند رأسه (لو9: 58)؛ لأنّ هذا يتطلّب من التلميذ أنْ يكون في حالة غربة دائمة خلف المُخَلِّص. لذا فروحانيّة الأنا تطلب آية على الدوام (لو11: 29)، وتتردّد في التبعيّة على الدوام.

روحانيّة الأنا تريد أن تُؤَمِّن مستقبلها وحياتها بالآخرين، دون أن تُفَكِّر فيما يمكن أن تُقَدِّمه لأولئك الآخرين الذين تريدهم أن يكونوا بجانبها في أوقات الاحتياج. روحانيّة الأنا يختلط لديها الفكر بالعمل بالذات بالهويّة بالكينونة، فحينما يكون ثمّة رفض لعمل ما تقوم به، أو فكرة ما تؤمن بها تشعر أنّ هذا الرفض للعمل أو للفكرة هو رفض للكينونة! أي إنّ الرفض يتحوَّل لرفض شخصي. لذا فروحانيّة الأنا كثيرًا ما ترتبط بالشعور بالدونيّة! الشعور بانعدام القيمة! روحانيّة الأنا هي روحانيّة حسَّاسة للغاية ممّا يجعلها تتوقّف على الطريق كثيرًا، وتكاد لا تتحرّك من فرط الألم الذي تعانيه؛ لأنّ كلّ ما يمس ما تقول أو تعمل يضرب في الداخل، في الكينونة!

روحانيّة الأنا هي الروحانيّة التي لم تتمركز بعد ”في المسيح“، فتبحث عن الأمان والقبول لدى الآخرين، لذا فهي متوتّرة في علاقتها بالآخرين؛ هي تريد أن تأمن بحبّهم. تريدهم بجانبها وقت الاحتياج، ولكنّها لا تتحمَّل مسؤوليّتها تجاههم. روحانيّة الأنا لا يمكن أنْ تكون كارزة بملكوت الله - وإن كانت ترغب في ذلك - لأنّ الكرازة بالملكوت هي خروج للآخر بالخبر السار، والاستعداد لدفع تكلفة إعلان الخبر من الوقت والجهد والمال والحاجات الضروريّة والسمعة والراحة والأمور المحبّبة والصداقات والأحلام الشخصيّة، وفي المقابل هي روحانيّة تريد أن تكون سعيدة، لا أن تُسْهِم في فرح الآخرين، وإن تألّمت من جرّاء ذلك. في الحقيقة، هي قد تسهم في فرح الآخرين، ولكن بالقدر الآمن لها، دون أن تتألَّم فعليًّا. إنّ روحانيّة الأنا يمكنّها أن تَخْدِم ولكن بهامش ضيّق للغاية من البذل الحقيقي.

روحانيّة الأنا هي روحانيّة جامدة لا تقبل التشكيل الإلهي اليومي، لا تقبل تعديل المسارات في معارج القلب الداخليّة التي يشير بها الروح؛ لأنّها روحانيّة مكتفية بما يسعدها، وهذا هو محور علاقتها بالله والآخرين. روحانيّة الأنا تتوتّر من كلمات المسيح؛ ”وَقَالَ لِلْجَمِيعِ: إِنْ أَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَأْتِيَ وَرَائِي، فَلْيُنْكِرْ نَفْسَهُ وَيَحْمِلْ صَلِيبَهُ كُلَّ يَوْمٍ، وَيَتْبَعْنِي“ (لو9: 23)؛ وذلك لأنّها لا تستطيع أن تنكر الأنا حتى في الروحانيات؛ فصلاتها وخدمتها وعلاقتها بالآخرين ترتبط بما يسعدها لا بما يحتاج إليه جسد المسيح الجائع والعطشان. هي على استعداد أن تخدم الجائع والعطشان ولكن بالقدر الذي يحقّق لها الرضا الداخلي والراحة النفسيّة دونما بذل! هي روحانيّة ترتبط بما تريد أن تكون وليس بما يجب أن تكون. إنّها أيضًا لا تستطيع أن تمارس هذا الإنكار لمركزيّة الذات كلّ يوم، قد تقوم به في بعض الأوقات المرتبطة بالوهج الروحي أو الشعور الروحي الدافق ولكن بعد قليل تجدها تستعيد الأمان للذات وفي الذات، وتعيد تنصيب الذات في المركز. ولأنّها روحانيّة غير ملتزمة وغير مسؤولة فهي لا تستطيع أن تنكر الذات كلّ يوم. أيضًا روحانيّة الأنا تخاف من تبعيّة المسيح؛ لأنّ المُحَرِّك للمسيرة هنا هو آخر غير الذات، وهذا الآخر يبدو لها في بعض الأحيان، صامتًا، غائبًا، مُتخليًّا، بعيدًا، غامضًا، قاسيًّا، لا يرضى عن الإنسان مهما كان، مقاييسه أعلى من قدرات البشر، يتركنا في منتصف الطريق إن أخطأنا ... إلخ.

لذا تجد روحانيّة الأنا تأمن لذاتها أكثر من أمانها للمسيح، لذا فهي تحاول تجميل رسالة الإنجيل لتناسب ذاتها دون أن تُسَبِّب اضطرابًا لتلك الذات التي تقبع في المركز من الحياة. روحانيّة الأنا هي روحانيّة خطرة للغاية؛ لأنّ لها شكلّ الروحانيّة، ولكن مركزها الدفين البعيد عن أعين الآخرين هو الأنا.

روحانيّة الأنا تريد أن تنجو بذاتها من أي مأزق تتعرّض له غير عابئة بالحقيقة. هي روحانيّة تبحث عن الخروج الآمن من مأزق الإنجيل، ولكن بشعارات روحيّةَ. إنّها تتّخذ شكل الحكمة أحيانًا لتتفلَّت من دعوة يسوع الحاسمة.

لقد أعلن المسيح بكلّ وضوحٍ، ودونما مواربة أو حاجة لتأويل أو تجميل أنّ ”مَن أَرَادَ أَنْ يُخَلِّصَ نَفْسَهُ يُهْلِكُهَا، وَمَنْ يُهْلِكُ نَفْسَهُ مِنْ أَجْلِي فَهذَا يُخَلِّصُهَا“ (لو9/ 24)، أي إنّ كلّ من يريد أن يتفلّت من الورطة التي يضعه الإنجيل فيها حينما يدعو الإنسان ليكون أمينًا للحق وملتزمًا بالحبّ ومخلصًا في تبعيّة الربّ يسوع، فإنّه يتورَّط في الهلاك الفعلي! وفي المقابل، كلّ مَنْ يقبل أن يتورَّط في الإنجيل؛ أي يكون مُخلصًا للإنجيل بالرغم من النتائج، سيجد أنّ ما كان يظنّه تورُّطًا محفوفًا بالمخاطر والخسائر هو عينه ألق الخلاص وبهجته وواقعيّته.

لقد حذّر القديس بولس من روحانيّة الأنا، وفي المقابل رفع شعار: ”فَأَحْيَا لاَ أَنَا بَلِ الْمَسِيحُ يَحْيَا فِيَّ“ (غل2: 20)، ليُعْلِن أنّ الروحانيّة الحقيقيّة هي الروحانيّة التي تُسَلِّم مفتاح الذات للمسيح، الذي يقرع على باب القلب، ليساعدها أنْ تَتَّحِد به ليكون المركز هو المسيح والذات جالسة عند قدميه كمريم (لو10: 39).

إنّ روحانيّة الأنا كامنة في قلوب العديدين وليس من السهل التخلُّص منها بين عشية وضحاها، ولكن علينا أولاً أن ندركها، أن نكتشفها ونكشفها، أن نفضحها على قياس الإنجيل، أن نرفضها من الداخل، أن نرفض غوايتها وأمانها ولذتها وخبرتها.

البداية هي الكشف والرفض، ومن ثم يمكننا أن نشرع في التضرُّع لله حتى يبدأ الروح ينقِّي الحقل القلبي من كلّ عشب ضار ارتوى من مثل تلك الروحانيّة المميتة.

نحتاج أن نصلي أن يدرّبنا الروح على الإخلاء، وعلى الحبّ المجاني، وعلى القدرة على الخروج من ذواتنا نحو الآخر، وعلى رفض قياسات المشاعر والصمود في التبعيّة، حتى ولو بدا الطريق ضبابيًّا، وعلى السير بقوّة الرجاء على الطريق حاملين الصليب بصمود رجال الله، وعلى عدم الخضوع لغواية اللّذة الروحيّة السريعة، وعلى قبول الأمور الأدنى والأصغر لنتدرّب على العظمة الإنجيليّة الحقيقيّة، وعلى الاستمرار في الصلاة مهما كانت حالة المشاعر، وعلى الثقة في الله دون الالتفات للفراغ الذي تخلقه المشاعر الغائبة.

نحتاج للصلاة كثيرًا وطويلاً حتى يتنقّى الحقل بالروح. وإن طال الأمر، علينا بالصبر؛ فدونما صبر لن يوجد ثمر (لو8: 15)