مبارك الله


في لحظات الألم التي يمر بها الإنسان سواء الألم الجسدي أو النفسي أو الوجداني، سواء ألم نتج عن علاقات خاطئة أو تعاملات غير متزنة أو فقدان شيء أو شخص أو ضياع حلم أو إخفاق في مسيرة نجد أنّه يصعب عليه أن يبارك الله، إلاّ أنّ البعض قد يكتفي بأن يباركه ببرودةٍ وسط الجموع أثناء الترتيل بشكلٍ جماعيٍّ دون أنْ تُعَبِّر تلك الكلمة ”مباركٌ أنت“ عن امتنانٍ حقيقيٍّ لله أو اعتراف حقيقي أنّه الضابط الكلّ حسنًا. ولعل كلمة ”بركة“ باليوناني εὑλογία (إفلوجيا) تعني الكلام الطيب أو الكلام الحسن. من هنا تكون مباركة الله هي أن نستطيع أن نتحدّث حسنًا عن الله وإلى الله بالرغم من الظروف السيئة التي نمر بها، والمشاعر السلبية التي تجتاحنا، والألم الذي يُمَزِّق وجداننا الداخلي، والتساؤلات التي تحوم حولنا ليل نهار لتفترس إيماننا.

وهنا يقف البعض مطالبًا الله بإجابة عن الـ ”لماذا؟“ الجاثمة على صدره قبل أن يبارك الله!

قد يبدو هذا الأمر منطقيًّا؛ إذ يجب أن أفهم لكي أسير وإلاّ أكُن كمن يسير كأعمى دونما وعيٍّ وفهمٍ!

دعنا نفكِّر سويًّا لبرهة في هذا المنطق. إن قبلنا سيناريو الفهم الكامل أولاً قبل الإيمان أو الحصول على أجوبة قبل مباركة الله سيكون علينا أن نحصل على أجوبة على كلّ ”لماذا“ تمرّ بنا في الحياة قبل أن نسجد مباركين الله. وهنا سنجد أنّ الحياة ستتقاذفنا ما بين ”لماذا“ ترتبط بالصحّة و”لماذا“ ترتبط بالعلاقات و”لماذا“ ترتبط بالنشأة والتربية و”لماذا“ ترتبط بالحالة الاقتصادية و”لماذا“ ترتبط بالمخاوف من الغد والمخاوف من الارتباط بالشخص الملائم والمخاوف على الأحبّاء والمخاوف من المجتمع المحيط بقيمه المغايرة والمخاوف من الخطأ والمخاوف من نتائج الخطأ والمخاوف من الكلام والمخاوف من الصمت والمخاوف من العمل والمخاوف من التكريس والمخاوف من ضبابيّة الدعوة والمخاوف من تجاهل الدعوة ... إلخ.

كما ستكون هناك ”لماذا“ أخرى كبيرة قد ابتلعت كثيرين في جوفها عبر العصور وهي الـ ”لماذا“ المرتبطة بالألم والشر في العالم بشكلٍ عام. لماذا يُهَجَّر السوريون من أوطانهم، لماذا تُسْتَعْبَد الإيزيديات لوحوش داعش ليصرن بالنسبة لهم أشبه بدمى جنسيّة؟! لماذا تُقْتَل البراءة، ويتعلَّم الأطفال الصغار الكراهية والقتل وسفك الدماء؟! لماذا تُفَجَّر كنيسة بها أبرياء ذنبهم الوحيد أنّهم ذهبوا للصلاة؟! لماذا تذبح جماعات بوكو حرام في نيجيريا قرى بأكملها من الأبرياء؟! لماذا تُفَجِّر المصالح السياسيّة والاقتصادية شرارات الحروب التي يروح ضحيتها آلاف الأبرياء، وهم لا يدرون ما يحدث؟! لماذا نجد مجاعات في أفقر الأماكن في العالم وأكثرها قهرًا (جنوب السودان على سبيل المثال) وكأنّ الألم والشر قد تعاقدا على تلك البقع واستوطنا هناك؟! لماذا التقاتل العرقي والقبلي؟! لماذا الاستعلاء في أغلب مجتمعات العالم على حقوق المرأة كإنسان؟! لماذا يتم بيعهن في بلدان أوروبا الشرقية والشرق الأقصى منذ الصغر ليلهو بهن الرجال الثملون من الشهوة العمياء؟! لماذا الاستعلاء الأبيض على العرق الأسود (الملوَّن)؟! لماذا يتحكّم طاغية في حياة شعبٍ ليحيوا في خوفٍ وهلعٍ ليل نهار؟! لماذا الكراهية الدينية، لماذا الكراهية بين جماعات الإيمان الواحد؟! لماذا انتهاك إنسانية الإنسان بسبب ما يعتقد فيه؟ ...

آه يا رب ... لماذا؟؟

كيف يمكن لإنسان أن يدّعي أنّه سيحصل على أجوبة على كلّ تلك المآسي المستوطنة قلوب البشر والمتحكّمة في حياة الكثير من البشر! أعتقد أنّ الحصول على إجابة تشرح ”لماذا“ كلّ هذا أمر مستحيل. مستحيل لعدم قدرة الإنسان الإلمام بما يحدث في كلّ مكان سواء خارجيًّا في تلك المجتمعات أو داخليًّا في قلوب البشر ممّن يعانون تلك المعاناة وأيضًا في قلوب من يَتَسَبّبون في تلك المعاناة لهم. نحن بشرٌ، بالكاد نحاول أن نفهم حياتنا وعالمنا وما يدور في قلوبنا وما يحدث لنا، ونخفق في الكثير من الأحيان في الحصول على فهمٍ لما يحدث بشكلٍ تفصيليٍّ، فكم وكم بفهم ما يحدث في العالم لملايين البشر!! هنا الفهم لما يحدث لا يمكن أنْ يكون هو الآلية الملائمة لمسيرتنا الإنسانيّة ومن ثمّ مسيرتنا الروحيّة وموقفنا تجاه الله. يجب أنْ نبدأ البداية الصحيحة حينما نرى الألم والشر في العالم من حولنا أو في عالمنا الشخصي، تلك البداية هي أنْ نبارك الله.

لقد أرسل القديس بطرس رسالته الأولى إلى الجماعات المشتّتة في بُنتس وغلاطية وكبادوكية وآسيا وبيثينية، تلك الجماعات التي كانت تعاني ممّا أسماه ”البلوى المحرقة“ وكانت الرسالة كلها محاولة منه لتثبيت تلك الكنائس في دعوتها المسيحية وإخلاصها للمسيح بالرغم ممّا يحدث لها.

لقد استهل القديس بطرس كلماته في الرسالة - بعد التحية المعتادة - بأنّ قال: ”مُبَارَكٌ الله أَبُو رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، الَّذِي حَسَبَ رَحْمَتِهِ الْكَثِيرَةِ وَلَدَنَا ثَانِيَةً لِرَجَاءٍ حَيٍّ، بِقِيَامَةِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ مِنَ الأَمْوَاتِ“ (1بط1: 3). لم يبدأ القديس بطرس بتقديم إجابة عن لماذا يحدث هذا لهم، ولكنّه بدأ بأن بارك الله وسط الألم. هنا المسيحيّة. أن نبارك الله في الوقت الذي نجد حولنا أنّ كلّ الظروف تشير بأصابع الاتّهام إلى الله وتشتكي عليه بالتخلي والترك واللاّمبالاة تجاه أولاده.

إنّ البركة هي التعبير الذي يألفه اليهود عبر عصور تعاملهم مع الله، إذ نجد أنّ كلّ العهد القديم مُرَصَّع بالبركة سواء بركة الله لشعبه أو البركة التي يبارك بها الشعبُ، الله القدير. حينما نبارك الله فإنّنا ننحني خضوعًا له (كلمة بركة في العبري (بِ رَ خَ هـ) בְּרָכָה تشير إلى السجود على الركبتين) واعترافًا بأنّه يَمْلُك وأنّه قادرٌ وقديرٌ، وأنّه صالحٌ ورحومٌ، وأنّه حاضرٌ وفاعلٌ بالرغم من كلّ شيء. حينما نبارك الله فإنّنا نعلن أنّنا نحيا بالإيمان لا بالعيان (2كو5: 7)، فما نراه في العالم المحسوس لا يشكِّل موقفنا تجاه الله، ولكن مَنْ آمنا به وأطعناه وسِرنا خلفه واختبرناه وتلامسنا معه وأحببناه هو مَنْ يُشَكِّل موقفنا تجاه الله بالرغم ممّا نراه في العالم المحسوس.

ولعلّ مَنْ يلاحظ أنّ البركة التي أطلقها القديس بطرس هنا ترتبط بيسوع المسيح؛ ”مبارك الله أبو ربنا يسوع المسيح“. في القديم كان الله يُبَارَك منسوبًا لأشخاص؛ مبارك الربّ إله إبراهيم وإسحق ويعقوب، إله داود، إله إسرائيل ... إلخ، ولكن بعدما ظهرت مراحم الله في تجسد ابنه الوحيد يسوع المسيح بيننا، أصبح هو المُخَبِّر لنا عن الآب (يو1: 18). إذًا فإنّ مباركتنا لله الآب ترتكز على إيماننا بيسوع المسيح. لذا نجد أنّ كلمة الإيمان متكررة بكثرة في رسالة القديس بطرس الأولى؛ أولاً لأنّه يخاطب كنيسة متألمة عليها أن تؤمن بأنّ الميراث الإلهي محفوظ لها في السماوات، لا كوسيلة هروب من الواقع، ولكن كانفتاح بصيرة على غير المرئي من الواقع، وفي الوقت نفسه لأنّ الإيمان بيسوع المسيح، المثال، وهو المتألِّم، يشكل حجر الزاوية والمركز الذي يجب أن نبني عليه موقفنا من الله.

إن نظرنا إلى الظروف، وصارت تقلباتها بمثابة النغمة التي تُشَكِّل موقفنا تجاه الله سقطنا في فخاخ الـ ”لماذا“ التي لا نهاية لها، ولكن إن نظرنا إلى الرب يسوع وآمنا به وأعلنا بوضوح أنّه مركز فهمنا الجديد لكلّ شيء، ولكلّ أحد ولكلّ موقف ولكلّ حدث أمكننا أن نبارك الله في أحلك ظروف حياتنا.

لذا فقد أكّد القديس بطرس أنّ البركة التي يرفعها لله الآب ليست بسبب فهم لماذا يحدث هذا بالتفصيل، ولكن لأنّه ولدنا ثانية لرجاء حي بقيامة يسوع المسيح من الأموات. هذا هو المركز أنّ قيامة المسيح من الأموات أعلنت أنّ الموت ليس الختام، وأنّ الألم ليس هو تتر النهاية، ولكن هناك حدث ما بعد الألم وما بعد الموت يتصاغر أمامه الموت والألم ألا وهو القيامة، مثل هذا الإيمان يُمَكِّن المتألِّم من رؤية الرجاء حيًّا نابضًا نضرًا لا يمكن أن يطوله ما يحدث هنا.

نحن نبارك الله لأنّنا مولودون ثانية لا لأننا نجونا من ألم أو ضيقة. ذاك هو المنظور الذي يجب أن نحاجج به الألم من حولنا وفي دواخلنا إن أردنا حلاًّ يساعدنا على الحياة بشكل إيجابي وفعّال وواقعي وصادق وحقيقي في نفس الوقت.

ولكن قد يتساءل البعض: ولماذا عليَّ أن أؤمن بهذا؟

إنّ الإجابة ببساطة: هذا ليس فرضًا عليك أن تؤمن به ولكنّه الطريق الذي يُمَكِّنك من الحياة بتصالح وتناغم مع كلّ الفوضى المحيطة. هذا ليس تكيُّف مع الواقع المؤلم، ولكنّه إدراك أنّ دوائر الألم متكررة فهي ليست غريبة أو غير معتادة في حياة أولاد الله؛ ”أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ، لاَ تَسْتَغْرِبُوا الْبَلْوَى الْمُحْرِقَةَ الَّتِي بَيْنَكُمْ حَادِثَةٌ، لأَجْلِ امْتِحَانِكُمْ، كَأَنَّهُ أَصَابَكُمْ أَمْرٌ غَرِيبٌ“ (1بط4: 12)، وأنّها يسيرة من حيث المدّة مهما طالت من منظورنا؛ ”مَعَ أَنَّكُمُ الآنَ إِنْ كَانَ يَجِبُ تُحْزَنُونَ يَسِيرًا بِتَجَارِبَ مُتَنَوِّعَةٍ“ (1بط1: 6)، وأنّها ليست استثنائية؛ فقد تألم المسيح، لا لنفسه، ولكن تاركًا مثالاً لكلّ متألِّم حتى لا يضطرب ولا يُفاجأ؛ ”فَإِنَّ الْمَسِيحَ أَيْضًا تَأَلَّمَ لأَجْلِنَا، تَارِكًا لَنَا مِثَالاً لِكَيْ تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِهِ.“ (1بط2: 21).

إنّها الوسيلة للفهم، ولكن ليست لفهم ”لماذا يحدث هذا“، ولكن لفهم ”كيف أسلك وسط هذا؟“

لكي نبارك الله بالفعل يجب أن ينتقل مركز التساؤل لدينا من فهم الملابسات والظروف التي أدّت إلى أن يحدث هذا، إلى فهم الكيفيّة التي يجب بها أن نسلك في هذا الواقع الذي نحياه بأمانةٍ واستقامةِ قلبٍ أمام الله.

كلّ محاولات الارتحال شرقًا وغربًا لفهم الـ ”لماذا“ لن تجدي نفعًا لأنّ الـ ”لماذا“ ستستنزف أيامنا وليالينا ومشاعرنا في دوائر مفرغة. كمسيحيين يجب أن ننزل إلى أرض المعركة لنحيا كأولاد الله، ونقوم إن كنا قد تعثرنا، ونتشدّد إن كانت عزائمنا قد ارتخت، ونجدد شوقنا إن كان قد ذَبُلَ من فرط الألم والضيق. لنرتكز على الربّ يسوع الذي يسير على الأمواج ويأخذ بأيدينا؛ لنعبر مياه هذا العالم فقط، إن ثبتنا أنظارنا عليه ...

وقتها يمكننا أن نبارك الله متهللين بالرجاء الحي ومترقبين الميراث الذي لا تعمل فيه عوامل الفساد ..

وقتها تتحوّل حياتنا إلى إفلوجيا εὑλογία كبيرة لله الآب بيسوع المسيح في الروح القدس ..