برفقته في رحلة التجديد: الحماسة الجوفاء!


حِينَئِذٍ قَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: «كُلُّكُمْ تَشُكُّونَ فِىَّ فِي هذِهِ اللَّيْلَةِ، لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: أَنِّي أَضْرِبُ الرَّاعِيَ فَتَتَبَدَّدُ خِرَافُ الرَّعِيَّةِ. وَلكِنْ بَعْدَ قِيَامِي أَسْبِقُكُمْ إِلَى الْجَلِيلِ». فَأَجَابَ بُطْرُسُ وَقَالَ لَهُ: «وَإِنْ شَكَّ فِيكَ الْجَمِيعُ فَأَنَا لاَ أَشُكُّ أَبَدًا». قَالَ لَهُ يَسُوعُ: «الْحَقَّ أَقُولُ لَكَ: إِنَّكَ فِي هذِهِ اللَّيْلَةِ قَبْلَ أَنْ يَصِيحَ دِيكٌ تُنْكِرُني ثَلاَثَ مَرَّاتٍ». قَالَ لَهُ بُطْرُسُ: «وَلَوِ اضْطُرِرْتُ أَنْ أَمُوتَ مَعَكَ لاَ أُنْكِرُكَ!» هكَذَا قَالَ أَيْضًا جَمِيعُ التَّلاَمِيذِ. [مت26: 31-35]


لا نتعامل عادّة بأريحيّة مع من نعرف عنه بعض الحقائق المخيبّة لآمالنا، وخاصّة إن كانت من جهتنا. إن كان شخصٌ ما يغتابك سرًّا، وقد نما إلى علمك هذا الأمر، وإن كان شخصٌ ما يحاول أذيتك، وقد عرفت بالأمر، وإن كان شخصٌ ما يدبِّر لك مكيدة، وقد انكشفت لك الحقيقة. في الأغلب، لن تتمكّن بعدها من أن تتعامل معه كما قبل، بل قد تقطع تلك العلاقة من جذورها وأنت حزينٌ من تلك الخيانة!

في هذا السياق، يشغلني ويحيّرني بشكلٍ كبير نموذج يسوع وقت اختيار التلاميذ، وهو يعلم تمام العلم مسار كلّ واحدٍ منهم من جهته! هو يعلم وهو يختار يهوذا أنّه سيكون صاحب أقبح قبلة في التاريخ؛ قبلة الخيانة، وهو يعلم وهو يختار بطرس أنّه سينكره أمام جارية في جنح الظلام في أحلك الأوقات، وهو يعلم أنّ كلّ التلاميذ باستثناء يوحنا سيتفرّقوا، ويتركوه وحده. بالرغم من معرفة المسيح بتلك النقطة السوداء في رحلة كلٍّ منهم معه، إلاّ أنّه اختارهم، وعلّمهم، وأجاب على أسئلتهم، وقدَّم لهم كلّ الحبّ، وشاركهم بكلّ ما في قلب الآب، وأرسلهم ليكرزوا، وأئتمنهم على اسمه، وعاش معهم كربّ عائلة.

لا نستطيع نحن أن نفصل معرفتنا بالآخر عن تصرفاتنا وردود أفعالنا من نحوه؛ نراه بنظارة إمّا بيضاء أو سوداء، نحاكمه على لحظة الخيانة والإنكار والترك لأنّنا لا نرى إلاّ لحظة واحدة من لحظات علاقتنا به. في الأغلب، نحن نميل أن نقيِّم علاقتنا بالآخرين انطلاقًا من أسوأ أفعالهم من جهتنا، وليس أفضل أفعالهم! لا أعرف لماذا؟ هل لأنّ سقطة خيانة، وإنكار، وتخلّي واحدة تفقدنا الثقة ومن ثمّ القدرة على التعامل مجددًا؟! يمكن ... إلاّ أنّ النموذج الذي يُقدِّمه الربّ يسوع يصالح معرفته السابقة، باختياره، برفقته، في قالب واحدٍ.

كثيرًا ما تكون هناك جدالات لاهوتيّة حادة حول الاختيار الإلهي، وسبق معرفة الله وعلمه، وسبق التعيين، تلك المفردات البولسيّة بالأساس. إلاّ أنّني أجد هنا مثالاً للتصالح ما بين تلك الأبعاد في شخصيّة الله المستعلنة لنا في حياة الربّ يسوع.

لقد اختار، ولكن اختياره لم يمنع ارتداد المختار عنه. لقد كان يعلم مسبقًا، ولكن هذا العلم لم يمنعه من ممارسة نفس الاختيار. بل الأكثر من هذا، إن سبق علمه لم يؤثِّر على الإطلاق على مساحة الحريّة والمسؤوليّة والفرص الممنوحة لكلّ المختارين طوال الطريق. لقد كان يهوذا أمين صندوق الخدمة! ولقد كان بطرس أحد الثلاثة الذين استعلنت لهم حقائق أكثر ممّن حوله من التلاميذ! لقد نالوا مساحات في الخدمة أكبر، ومسؤوليات أكبر، وقُدِّم لهم أكثر، ولم نشعر ولو لمرَّة واحدة بنبرة عتاب على أمور مستقبليّة أو دعني أقول على خيانات مستقبليّة، قبل العشاء  الأخير!

إنّ الله يستطيع أن يزن المعادلة الصعبة التي لا نستطيع نحن أن نضع أطرافها على نقاط اتزان واضحة في حياتنا وتصرفاتنا.

يمكننا أن نستشف من تلك الحقيقة المعلنة لنا في حياة الربّ يسوع؛ أنّ الله يختار، ولكن اختياره ليس ضمانًا لاستمراريّة المختارين. كما أنّ المختار يُمنَح فرصة كاملة مثله مثل الآخرين. بالتأكيد لا نعلم كَمَّ المدعوون من قِبَل الربّ يسوع، فلم يُدوَّن لنا كلّ شيء في الأناجيل؛ فقط عرفنا بشكلِّ عام أنّ "كَثِيرِينَ يُدْعَوْنَ وَقَلِيلِينَ يُنْتَخَبُونَ" (مت20: 16/Byz) فنحن نعلم فقط أنّ المدعوين كثيرون انطلاقًا من كلمات الربّ في تدوين القديس متى ههنا. يمكننا أن نرصد أنّه دعا مثلاً الشاب الغني، ولكنّه لم يقبل الدعوة، كما دعا الرجل الذي أراد دفن أبيه، وبالتأكيد هناك الكثيرون ممّن دعاهم يسوع ليرافقوه كتلاميذ، ولكنّهم لم يقبلوا، أو تراجعوا، أو خافوا، أو مالوا إلى حياتهم الآمنة، أو لم يدركوا مَنْ الذي يدعو، أو تكاسلوا، أو أجّلوا. الأسباب كثيرة لرفض دعوته؛ ولكنّه دعا الكثيرين بكلّ تأكيد، إلاّ أنْ مَنْ اختاروا أن يقبلوا الدعوة، كانوا قليلون. وهنا حتى القليلين لم يثبتوا جميعًا في تلك الدعوة إلى النهاية.

ولكن .. مهلاً! هل يمكن ألاَّ يثبت الإنسان في الدعوة ومن ثم في الاختيار؟ يجيب لنا القديس بطرس: "لِذلِكَ بِالأَكْثَرِ اجْتَهِدُوا أَيُّهَا الإِخْوَةُ أَنْ تَجْعَلُوا دَعْوَتَكُمْ وَاخْتِيَارَكُمْ ثَابِتَيْنِ. لأَنَّكُمْ إِذَا فَعَلْتُمْ ذلِكَ، لَنْ تَزِلُّوا أَبَدًا." (2بط1: 10). الأمر يحتاج اجتهاد، لا فقط قبول خامل، واطمئنان زائف.

هناك بالطبع من يتعامل مع المختار، لاهوتيًّا، بدلالة "مَنْ عرف الله مسبقًا أنّه سَيَثْبُت"، بدلاً من "أولئك الذين قَبِلوا الدعوة". بالتأكيد دلالة الكلمة في الذهن تحكم مسار تفسير الشخص للأحداث والنصوص. كما أنّ هناك جانب آخر يمكننا أن نضيفه، ويتمثّل في دلالة استخدام الكلمة في إطار لاهوت الاختيار لإسرائيل الأولى، من أجل المسيَّا.

ولكنّي هنا أتبنَّى التفسير المباشر لكلمة الاختيار، في إطار اختيار التلاميذ؛ وهي الدلالة التي استخدمها الربّ يسوع في حديثه مع التلاميذ؛ "أَلَيْسَ أَنِّي أَنَا اخْتَرْتُكُمْ، الاثْنَيْ عَشَرَ؟ وَوَاحِدٌ مِنْكُمْ شَيْطَانٌ!" (يو6: 70). ولكن، حتى هذا الشيطان، كان قد سبق الربّ يسوع أن اختاره ليكون مع التلاميذ، وبرفقته، بل والأكثر من ذلك، يتحدّث باسمه، ويصنع قوّات باسمه، كباقي التلاميذ. مُنِحَ كلّ فرصة وإمكانيّة، ولكنّه لم يثبت في هذا الاختيار.

لذا يبدو من مثال يسوع مع التلاميذ، أنّه حينما يستخدم تعبير الاختيار لا يقصد الاختيار الجذري النهائي المقدَّر له النجاح، بل فقط من قبلوا دعوته ليصيروا مختارين للسير معه. إلاّ أنّ هذا لا يضمن النهاية الجيّدة، انطلاقًا من خبرة حياة التلاميذ ونهايتها.

لست بصدد مناقشة قضيّة الاختيار لاهوتيًّا بشكلٍ شامل، ولكن دعني أقول إنّ هذا جانب من جوانب التي من المهم أن تشكل منظورنا اللاّهوتي لقضيّة الاختيار، والذي علينا أن ندرجه في تفكيرنا من جهة تلك القضيّة.

لكن الملفت للنظر، والمثير لدهشتي أيضًا أنّ بطرس والتلاميذ حينما أنبأهم يسوع بلطفٍ عن تشتُّتهم المزمع أن يحدث، كانت ردود أفعالهم تنم عن عدم تقدير جيّد للأمور، بل وعدم معرفة جيِّدة بالذات. لم يدركوا ذواتهم، لم يدركوا حجم العاصفة وقدرات قواربهم على الصمود. لم يطلبوا نعمة وقوّة، بانكسار المحتاج. لقد أعلنوا معًا بشجاعةٍ جوفاء أنّهم لن يشكوا، وأنّهم معه إلى النهاية.

إلى هذا الحد، لا يدرك الإنسان ذاته، وقدراته. قد يتوّهم في نفسه القدرة على رفقة المخلِّص، على درب المهانة، كفكرةٍ، وحماسةٍ وسط آخرين. ولكن حقيقة التجربة أشد مرارة على أرض الواقع من أقصى تخيلات الأفكار المسبقة! وسط التجربة لا سبيل للتفكير الهادئ، ولا مساحة للتردُّد، ولا فرصة للدخول في صلاة طويلة لاستنهاض الهمّة بالنعمة، ولا إمكانية لإعادة بناء الأفكار وحساب النفقة!!!

التجربة فجائيّة في وقعها، مباغتة، غادرة، تضعنا أمام محك سريع للغاية من إعلان الرفض أو القبول! الذي قد يترتب عليه أحيانًا الحياة أو الموت!

في الكثير من الأحيان، لم يُمْنَح الشهداء قديمًا فرصة للتفكير تسمح لهم بانتهاج طرق بديلة للحفاظ على أمانتهم للمخلص والنجاة بحياتهم في الوقت ذاته. ولعلّ في هرب كبريانوس القرطاجي وقت الاضطهاد الأوّل مثالاً لهذا الأمر إذ كانت لديه الفرصة للتفكير، ومن ثم اختار الهرب حفاظًا على شعبه، وقد طاله سيف الشهادة في موجة لاحقة من الاضطهاد. كما أنّ هنا نموذج آخر تبنّاه مسيحيو قرطاج في القرن الثاني الميلادي، من خلال فكرة الوثائق الزائفة libelli التي تثبت أنّهم بخّروا للأباطرة، وهم لم يبخروا بالفعل! حتى يستطيعوا أن يعيشوا في المجتمع ويعملوا ويشتروا الطعام وحاجياتهم. ولكن بعد انتهاء زمن الاضطهاد، صارت هناك وقفة من الكنيسة مع هذا النموذج، ومنعته وإن كان لم يتضمن إنكار مباشر للمسيح، ولكنّه كان يخل بمصداقيّة الحياة المسيحيّة!!

إلاّ أنّه في أغلب الأحوال، كان السؤال مُشْهَر مع السيف؛ هل تنكر المسيح، أو تفقد حياتك؟!! الإجابة تخرج سريعة من مخزون القلب المدفوع في تلك اللّحظات بالنعمة. النعمة لا تخلق فينا إجابة ليس لها أصل في دواخلنا، ولكنّها تستخرج الإجابة التي قد رويناها ليل نهار بحبّ المسيح أكثر من الحياة، وتدفعها إلى خارج، بقوة وثباتٍ.

كلّ الزمان الذي قضاه التلاميذ مع يسوع، والتأسيس والخبرة لم تكن كافية لأنّ تؤهِّل الإجابة القلبيّة أن تكون حاضرة وقت التجربة، وقت الغربلة العنيفة، ولكن الأخطر أنّهم لم يدركوا ذلك، بل توهموا العكس تمامًا!

لا يمكننا أن نأخذ ما يقوله الناس مأخذ الجد تمامًا، لا لأنّهم كاذبون، ولكن لأنهم لا يدركون حقيقة ذواتهم وقت التحديات الكبرى!!! هذا درس هام للغاية!

ولكن الرّجاء، أن أولئك الذين هربوا، وأنكروا، وخافوا، وانكفأوا على ذواتهم، لم يسقط أغلبهم من الاختيار، لم يسقطوا من النعمة، بل رُدّوا مرّة أخرى إلى الحظيرة، ولكن محمّلين بخبرة جديدة من نحو الرسالة الإلهيّة، ومن نحو أنفسهم وإمكانياتهم الذاتيّة التي لا يمكن الاعتماد عليها. في ذلك الوقت، أُرْسِلَ الروح القدس، ليُطَمْئِن كلّ من قَبِلَ ألاّ يثق في ذاته، أنّه يمكنه الآن أن يثق في قيادة الروح. وحينما يقود روح الله حياتنا، يصنع منّا أبطالاً في مملكة النور والحق والحياة.

لم يكن التلاميذ يدركوا ذواتهم على الإطلاق، فتوهموا فيها بطولة لم تكن حاضرة وقت الاحتياج ...

وأيضًا لم يكن التلاميذ يدركوا الإمكانيات التي منحهم إياها روح الله، والتي فاضت شجاعة ومجاهرة وقت الاحتياج ...

الدرس لنا، واضحٌ؛ من يثق في ذاته، يثق في الوهم، ومن يثق في روح الله، ويترك له زمام الأمور، يصير ابنًا مجاهرًا بالحقّ كما المخلِّص ....